يُعلّم الكتاب المقدّس أنّ المسيح هو الله المتجسّد. إنّه لمن المؤسف حقًّا أن يظنّ كثيرون أنّ المسيحيّة تؤلّه المسيح بينما هو (لهم) مُجرّد إنسان نبيّ أرسله الله! لا بُدّ من التأكيد أن المسيحيّة لم تتعمّد تأليه المسيح، بل قبلت شهادة السماء والأنبياء والرّسل وإعلان المسيح عن نفسه بأنّه “إله”.
لا يُمكِن للمسيحيّة أن تؤلّه إنسانًا، فمن ركائزها الأساسيّة، وهي ديانة “توحيديّة”، الإيمان بوجود إله واحد لا آلهة عديدين. كما أنّ المسيحيّة تؤمن، بشكل حاسم، بما قاله الله في نبوّة إشعياء:
“أَخْبِرُوا. قَدِّمُوا. وَلْيَتَشَاوَرُوا مَعًا. مَنْ أَعْلَمَ بِهذِهِ مُنْذُ الْقَدِيمِ، أَخْبَرَ بِهَا مُنْذُ زَمَانٍ؟ أَلَيْسَ أَنَا الرّب وَلاَ إِلهَ آخَرَ غَيْرِي؟ إِلهٌ بَارٌّ وَمُخَلِّصٌ. لَيْسَ سِوَايَ. اِلْتَفِتُوا إِلَيَّ وَاخْلُصُوا يَا جَمِيعَ أَقَاصِي الأَرْضِ، لأَنِّي أَنَا اللهُ وَلَيْسَ آخَرَ. بِذَاتِي أَقْسَمْتُ، خَرَجَ مِنْ فَمِي الصِّدْقُ كَلِمَةٌ لاَ تَرْجعُ: إِنَّهُ لِي تَجْثُو كُلُّ رُكْبَةٍ، يَحْلِفُ كُلُّ لِسَانٍ.” (إش 45: 21-23).
وإن سألنا عن سبب صيرورة الإله إنسانًا، لرأينا أنّه حقّق هذا الأمر لسببين أساسيّين:
السبب الأول: ليُعلِن لنا الله
لقد صار الإله إنسانًا ليُعلِن لنا الله الّذي لم يرَهُ أحدٌ قطّ، ولم يكن ممكنًا أن يراه إنسان بسبب قوّة مجدهِ، وهو السّاكن في نور لا يُدنى منه، كما جاء في افتتاحيّة إنجيل يوحنا: “اَللَّهُ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ قَطُّ. اَلاِبْنُ الْوَحِيدُ الَّذِي هُوَ فِي حِضْنِ الآبِ هُوَ خَبَّرَ.” (يو 1: 18).
وقد تمّم المسيح شهوة الأجيال بأن يروا الله، فأعلن ذاته الإلهيّة بشكل محجوب بالجسد الّذي صنعه هو لا إنسان، وهكذا، صار بالإمكان رؤيته والتّمتّع بالشّركة معه والامتلاء من روحه. يُعلِن الوحيّ المقدّس هذه الحقيقة بكلمات خالدة: “وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا وَحَلَّ بَيْنَنَا، وَرَأَيْنَا مَجْدَهُ، مَجْدًا كَمَا لِوَحِيدٍ مِنَ الآبِ، مَمْلُوءًا نِعْمَةً وَحَقًّا.” (يو 1: 14).
السبب الثاني: ليصنع لنا خلاصًا
لقد أراد الله من خلال تجسّده أن يصنع فداءً للنّاس ويُخلّصهم ويردّهم إليه فيعبدوه عن معرفة واختبار (في 2: 7-11). وهذا يوافق نبوة إشعياء المذكورة أعلاه. ويستبعد بعضهم إمكانيّة تجسّد الإله لتخليص النّاس. ومنهم من يذهب أبعد من ذلك لينتفض ويستنكر ويرفض ويستغفر الله لمجرّد سماعه أن الله تجسّد، وقد سبق ودرسنا هذا في الفصل السابق. والسؤال الّذي يطرح نفسه هو: ألا يحقّ لله أن يختار الطريقة التي يشاؤها ليُخلّص البشريّة؟ وهو إن اختار أن “يتشارك معنا في اللّحم والدّم”، فذلك “لِكَيْ يُبِيدَ بِالْمَوْتِ ذَاكَ الَّذِي لَهُ سُلْطَانُ الْمَوْتِ، أَيْ إبليس، وَيُعْتِقَ أُولَئِكَ الَّذِينَ خَوْفًا مِنَ الْمَوْتِ كَانُوا جَمِيعًا كُلَّ حَيَاتِهِمْ تَحْتَ الْعُبُودِيَّةِ.” (عب 2: 14-15).
فرحنا بالإله المُتجسّد
نفرح إذ نعلم أنّ يسوع المسيح هو الله، وقد تجسّد ليُعلِن لنا ذاته ويصنع لنا خلاصًا لنكون معه. عبّر البشير يوحنّا عن هذا الفرح بالشركة مع الإله المتجسّد بكلماته المنحوتة بأحرفٍ أزليّة:
“الَّذِي كَانَ مِنَ الْبَدْءِ، الَّذِي سَمِعْنَاهُ، الَّذِي رَأَيْنَاهُ بِعُيُونِنَا، الَّذِي شَاهَدْنَاهُ، وَلَمَسَتْهُ أَيْدِينَا، مِنْ جِهَةِ كَلِمَةِ الْحَيَاةِ.فَإِنَّ الْحَيَاةَ أُظْهِرَتْ، وَقَدْ رَأَيْنَا وَنَشْهَدُ وَنُخْبِرُكُمْ بِالْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ الَّتِي كَانَتْ عِنْدَ الآبِ وَأُظْهِرَتْ لَنَا.الَّذِي رَأَيْنَاهُ وَسَمِعْنَاهُ نُخْبِرُكُمْ بِهِ، لِكَيْ يَكُونَ لَكُمْ أَيْضـًا شَرِكَةٌ مَعَنَا. وَأَمَّا شَرِكَتُنَا نَحْنُ فَهِيَ مَعَ الآبِ وَمَعَ ابْنِهِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ.وَنَكْتُبُ إِلَيْكُمْ هَذَا لِكَيْ يَكُونَ فَرَحُكُمْ كَامِلاً.” (1يو 1: 1-4).
في اعترافه هذا، يؤكّد يوحنّا أنّ الإيمان بتجسّد المسيح يجعل المؤمن في شركة روحيّة مع الآب والابن، وحتمًا الرّوح القدس، وفي شركة مع الجماعة الرسوليّة الأولى التي رأت المسيح وعرفته واختبرته، وهكذا يتّحد المؤمنون في التاريخ بشركة الإيمان بالمسيح الإله المتجسّد. يُخفِق من لا يؤمن بظهور المسيح الإله بالجسد، أي المسيح الإنسان، بأن يكون له شركة معه ومع كنيسته. ويتلازم الإيمان بالمسيح الإنسان مع الإيمان بالمسيح الإله في المسيحيّة ليُشكّلا حقيقة جوهريّة ومركزيّة واحدة تُبنى عليها المسيحيّة. وإن نُقِضَت الواحدة انهارت الثانية معها، وفقدت المسيحيّة جوهرها، وحُجِبَ نور الله الذي أشرق على النّاس في المسيح الإله والإنسان.

