سؤالٌ طالما حيّر الفلاسفة في كلّ العصور: ماذا يعني أن تكون إنسانًا؟ لقد ألقى حكماء هذا العالم بأنفسهم أمام هذا اللغز وكأنّهم أمام جبلٍ شاهقٍ يعجزون عن تسلّقه، وعادوا من رحلتهم بمئات الإجابات المختلفة، الّتي لم تُشبع أيٌّ منها الرّوح. لكنّ الإجابة كانت مكتوبةً قبل حتّى أن يفتح الفلاسفة أفواههم! أن تكون إنسانًا يعني أنّك خُلقت على صورة الله ومثاله، ومع ذلك، وللأسف، أن تكون ساقطًا ومكسورًا كإناءٍ تهشّم على الصّخور.

الحُبّ النّازل من علاء

هذا هو حالنا: نحن في وضعٍ محزنٍ ومؤسف، وليس بيننا رجلٌ واحدٌ يستطيع أن ينتشل نفسه من الوحل بقوّته الخاصّة. ليتشبّث الأخلاقيّ بما يريد، وليفكّر الفيلسوف كما يشاء، فلا يوجد سلّمٌ صنعته أيدي البشر يمكنه الارتفاع بما يكفي ليلمس عرش الله. لم نُخلق أبدًا لنكون أطبّاء أنفسنا! بل خُلقنا من أجل الحبّ، لنكون محبوبين، ونُحِبّ في المقابل.

ولكن، يا للعجب، الّذي يجب أن يقف أمامه الملائكة مذهولين! لمّا رأى أنّنا لا نستطيع الصّعود إليه، نزل هو إلينا! لقد غمر الله هذه المخلوقات المكسورة والسّاقطة بقيمةٍ عظيمةٍ حتّى أنّه بذل ابنه الوحيد. وهذا الابن بذل حياته بمحض إرادته، فلم يكن بوسع أحد أن يأخذها منه. كان ليسوع السّلطان أن يضعها، والسّلطان أن يأخذها ثانية، وصيّة نالها من الآب. (يوحنا 10: 18).

لقد خرج مسيحنا الغالي منتصرًا من القبر، ليدفع ثمننا بالكامل، ونُصالح نحن، الخطاة الفقراء والمفلسين، مع الله. لا كمتّهمين نالوا العفو وصُرفوا من قاعة المحكمة فحسب، بل كأبناء مُرحَّب بهم في الشّركة، في الاتّحاد، وفي علاقة حبّ مع الآب نفسه!

كل ابن وابنة لآدم يقف في هذا الوضع المحزن نفسه، بدون أيّ استثناء، مهما كانت سمعتهم برّاقةً أو كانت ثيابهم الخارجيّة بلا بقعة. ولكن، يا لعظم الرّجاء الممنوح لأولئك الّذين يضعون إيمانهم في موت ربّنا يسوع المسيح وقيامته! إنّه ليس رجاءً يهتزّ مع كلّ ريح من الظّروف، بل هو رجاءٌ ثابتٌ يشدّ نفوسنا إلى الحضرة الإلهيّة. إنّ محبّة المسيح، ومحبّتة وحده، هي الّتي تأسرنا وتدفعنا إلى الأمام!

لحظة معرفة الحقيقة

إنّ الخلاص ليس مجرّد معاملةٍ تُسجَّل ثم تُنسى. بل تأتي لحظة، مفاجئة، غامرة، وبدون سابق إنذار، حين ترى الرّوح الربّ على حقيقته، وفي اللحظة نفسها ترى نفسها على حقيقتها. وفي تلك السّاعة، يا أحبّائي، ستُفزعكم خطيئتكم! ليس لتسحقكم في اليأس، بل لتجرّدكم من كلّ رداء من البرّ الذّاتيّ، لكي ترتدوا المسيح بدلاً منه.

هذا هو إذًا سرّ إنسانيّتنا: مُتوّجون بالمجد، ومع ذلك مُتصدّعون بالخطيئة، إلى أن نأتي، خالي الوفاض، إلى الصّليب.

Author

شاركها.
Exit mobile version