ممّا لا شكّ فيه، أنّ ما كُتِب عن الملائكة، في كتب اللاّهوت والكتب الرّوحيّة الموجّهة إلى عامّة المؤمنين، قليل. وقد يكون سبب ذلك عائدًا إلى عدم تداخل عالم البشر المنظور والحسّيّ بعالم الملائكة غير المنظور والرّوحيّ، أو إلى أنّ موجات من عدم الإيمان بوجود الملائكة والأرواح الشّرّيرة قد اجتاحت المسيحيّة بسبب التيّارات العقلانيّة واللّبراليّة والنّيوأورثوذكسيّة الرّافضة لكلّ ما هو فائق للطّبيعة. كما أنّ الإنسان بطبيعته لا يشعر بوجود الملائكة، ولا دلائل ملموسة في الطّبيعة على وجودهم، أو أعمال تشهد على تدخّلهم في عالم البشر أو الكون. إلاّ أنّ معرفة الإنسان المحدودة لا تسمح له بأن يُنكر وجودهم أو يؤكّد عدمه. بل على العكس، فإنّ أيّ قارئ لكلمة الله يرى أنّ للملائكة دورًا بارزًا في خدمة الله وقضيّته وشعبه.
الملائكة في الإعلان الكتابيّ
كلّ مَن يؤمن بأنّ الكتاب المقدّس هو كتاب الله، وفيه سِجِلّ صحيح وموثوق به، يؤمن بأنّ الملائكة موجودون حقًّا، ولا يُمكن تجاهلهم أو إنكار وجودهم ببساطة. لقد ذكر العهد القديم الملائكة في أكثر من مئةٍ موضع. أمّا العهد الجديد، فقد ذكرهم في أكثر من مئةٍ وخمسة وستّين موضعًا. كما أنّ أكثر من أربعة وثلاثين سفرًا في الكتاب المقدّس قد أورد أخبارهم وأعمالهم. إبراهيم، أبو المؤمنين، التقاهم (تك 18)؛ داود شهد على تنفيذهم الأحكام الإلهيّة في الشّعب (2صم 24: 16)؛ إشعياء رآهم (إش 6: 2)؛ كذلك حزقيال (حز 10: 1- 3)؛ دانيال ذكر جبرائيل وميخائيل (دا 9: 20-27؛ 10: 13؛ 12: 1)؛ أمّا زكريّا، فتكلّم عليهم كرسل إلهيّين (زك 1- 6). وكاتب المزامير رآهم كرسل الله ومنقذي شعبه (مز 34: 7؛ 91: 11؛ 103: 20).
أمّا في العهد الجديد، فالأناجيل تكلّمت عليهم مؤكّدةً وجودهم: فقد ظهروا عند البشارة بمولد المسيح، وعند ولادته وقيامته وصعوده (مت 2: 19؛ مر 1: 13؛ لو 2: 13؛ يو 20: 12؛ أع 1: 10، 11)؛ كما أنّهم خدموا الرّبّ يسوع المسيح عند صيامه، وهو آمن بوجودهم وعلّم عنهم وعن دورهم (متّى 4: 11؛ 18: 10؛ 26: 53).
أمّا في أعمال الرّسل، فنرى أنّ الملائكة ساعدوا الرّسول بطرس على الهرب من السّجن (5: 19؛ 12: 5-11)، وعلى إرشاد كلّ من فيلبّس وكرنيليوس وبطرس (8: 26؛ 10: 1-7)، وشجّعوا بولس في وسط العاصفة البحريّة (27: 23-25). هذا، بالإضافة إلى عشرات الشّواهد الّتي يؤكّد فيها كتّاب العهد الجديد الإيمان القاطع بوجود الملائكة.
من خلق الملائكة؟
الملائكة مخلوقات خلقها الله مباشرة، قبل تأسيس العالم، إذ كانت شاهدة على عمليّة الخلق وفرحت به (نح 9: 6؛ أي 38: 6-7؛ مز 148: 2، 5). ويُحدّد بولس الرّسول أنّ المسيح هو الّذي خلق الملائكة ليخضعوا له: “فإنّهُ فيهِ خُلِقَ الكلُّ: ما في السّماواتِ وما على الأرضِ، ما يُرى وما لا يُرى، سواءٌ كانَ عروشًا أمْ سياداتٍ أمْ رياساتٍ أمْ سلاطين. الكلُّ بهِ ولهُ قد خُلِقَ” (كو 1: 16).

