قد يشغل الإنسان منصبًا قياديًّا ويؤدّي واجباته بإتقان، لكنّه لا يترك الأثر الّذي يصنعه قائدٌ يحمل رسالةً يؤمن بها ويعمل جاهدًا لتحقيقها. فما الّذي يميّز القائد الّذي يقود بدافعٍ داخليّ عن موظّفٍ يؤدّي وظيفةً وينصرف؟ إنّها الدّعوة الّتي تحفّزه على العمل بإصرارٍ ومثابرةٍ وتضحية.
الدّعوة شغفٌ يتجاوز المصالح
الدّعوة ليست مشاعر وعواطف جيّاشة تبرد مع الوقت، وليست لجوءًا إلى المكان الأكثر راحةً وأمانًا. إنّها أن يمتلك الفرد رؤيا مرتبطة بالخدمة، ويعمل على تحقيقها بشغف، مهما كانت التّضحيات.
فالقائد الّذي لا يحمل دعوةً قد يبقى موظّفًا في مؤسّسةٍ أو شركة، يؤدّي وظيفته ثمّ يرحل. أمّا صاحب الدّعوة، فيعشق المهمّة الّتي يعمل من أجلها، ولا يجعل المركز أو السّلطة أو الأرباح الماليّة غايته. إنّه لا ينتظر موقعًا يرتبط اسمه به، بل ينطلق من شغفه بإنجاز المهمّة، ويواصل العمل رغم التّحدّيات، لأنّ قناعته بالرّسالة تدفعه إلى المثابرة حتّى تحقيق الهدف.
ولا يعني الشّغف وحده أنّ الإنسان قادرٌ على إنجاز مهمّته، بل يحتاج أيضًا إلى الحكمة والتّعلّم واكتساب الخبرات وصقل المهارات. فالدّعوة تمنح العمل دافعه ومعناه، فيما تساعد الكفاءة على تحقيق أهدافه.
ويجسّد مثل الرّاعي الصّالح صورة القائد المدعوّ إلى الخدمة. فهو يسهر على الخراف ويحميها ويرعاها، ويشعر بمسؤوليّته تجاهها حين يحدق بها الخطر. فالدّعوة ليست لقبًا أو امتيازًا، بل هي التزامٌ تجاه مَن يتولّى القائد رعايتهم. وتظهر حقيقتها في أمانته حين لا يجد تقديرًا، وفي اهتمامه بالآخرين حين لا ينتظر منفعةً شخصيّة.
يسوع: دعوة تتجاوز المصالح
تتّضح عظمة الدّعوة في حياة يسوع، الّذي جاء إلى هذا العالم من أجل المهمّة الّتي دُعي إليها. لم يعمل من أجل مركزٍ أو موقع، ولم يجْنِ مالًا أو يبنِ مملكةً أرضيّة، ولم يرتهن لأحد أو تحدّه مدّة زمنيّة في إنجاز مهمّته. لم يصنع إّلا الحياة، ولم يهتمّ إلّا بالإنسان من أجل بناء الأفضل له. وكانت دعوته إعادة السّلام والطّمأنينة والفرح والخلاص إلى الإنسان، من خلال إنجاز عمل المصالحة. وباختصار، كانت دعوة يسوع مصالحة الإنسان مع الله.
وتكشف لنا حياة يسوع أنّ الدّعوة ليست مجرّد قناعةٍ أو شغفٍ داخليّ، بل التزام يُترجَم إلى عمل، ويثبت أمام التّحدّيات، ويستمرّ حتّى إنجاز المهّمة. لذلك، يبقى الشّغف والقناعة الشّخصيّة من أهمّ ما يدفع صاحب الدّعوة إلى تحمّل مسؤوليّاتها ومشقّاتها. فالدّعوة الحقيقيّة ليست فكرةً مرحليّةً تتبدّل بتغيّر الظّروف، بل هي التزامٌ ثابتٌ بالرّسالة، يتطلّب المثابرة والاستعداد للتّعلّم ومراجعة أساليب العمل من أجل تحقيق الهدف.
لذلك، قبل أن تسأل عن المنصب الّذي تطمح إليه، اسأل نفسك عن الرّسالة الّتي أنت مستعدٌّ لحملها. هل تعمل لأنّك تؤدّي وظيفة، أم لأنّك تؤمن بخدمةٍ تستحقّ أن تبذل من أجلها جهدك ووقتك؟ وما الّذي تفعله اليوم لترجمة هذه القناعة إلى عملٍ ملموس؟ فالقائد الجدير لا يُقاس بما يشغله من موقع، بل بأمانته للدّعوة، وبقدرته على خدمة الآخرين وتحمُّل المسؤوليّة ومواصلة العمل حتّى إنجاز المهمّة.

