ولد إكليمندس من أبوين وثنيّين. يرجّح أنّه ولد في أثينا بناءً على ما ورد في كتابه: “المتفرّقات”. لا يُعرف تاريخ تحوّله إلى المسيحيّة وعماده، ولا الظّروف المحيطة به أو الدّوافع الّتي أدّت إلى ذلك. لكنّ المعروف عنه أنّه قد اتّسم بفكرٍ متديِّن. فكان دائم البحث عن الله الذي يُشبعه روحيًّا وفكريًّا وأخلاقيًّا، وقد وجد في المسيحيّة تحقيقًا لهدفه.
أُهمِلَت شخصيّة هذا القدّيس للخلط بينه وبين القدّيس إكليمندس الرّومانيّ، وارتباط شخصيّته بأوريجانوس الّذي نُظر إليه كهرطوقيّ وأبيدت أكثر كتاباته خاصّةً النّسخ التي كُتبت باللغة الأصليّة اليونانيّة.
تتلّمذ على يدي القدّيس بنتينوس رئيس مدرسة الإسكندريّة، وصار مساعدًا له. سيم كاهنًا في الإسكندريّة، وقام بعمله الوعظيّ بكلّ نجاح. وعند موت بنتينوس تسلّم القدّيس إكليمندس الرّئاسة حوالي عام 180م، وقد تتلمذ على يديه العلاّمة أوريجانوس والقدّيس الكسندروس أسقف أورشليم.
وفي أيّام الاضطّهاد القاسي الّذي أثاره سبتيموس ساويرس حوالي عام 202م، اضطرّ القدّيس إلى مغادرة الإسكندريّة واللجوء إلى فلسطين وبقي هناك حتّى وافته المنيّة.
كان هروبه من الإسكندريّة نافعًا للكنيسة، كما ظهر ذلك في رسائل القدّيس ألكسندروس، أسقف أورشليم، الّتي قال فيها أنّه بحضور القدّيس إكليمندس إلى أورشليم “بفضل عناية الله وتدبيره قد ثبّت كنيسة الربّ وأنماها”.
كان الغربيّون يعتبرون إكليمندس الإسكندريّ من قدّيسي الكنيسة. وفي القرن السّادس عشر حُذف اسمه من تراجم الشّهداء (سيرتهم وحياتهم ومواقفهم) بواسطة إكليمندس الثّامن (1592م-1600م)، لاعتبار أنّ كتاباته تضمّ بعض التّعاليم الفاسدة. إلّا أنّ أي من المؤرّخين الأُوَل أمثال يوسابيوس وجيروم لم يُشِر إلى هذه الأخطاء. لهذا، فالأرجح أنّ هذه الأخطاء دخيلة على كُتُبِه. فقد دأب الهراطقة أن يفسدوا كتابات الآباء المشهورين لتأييد مذهبهم ونشره.
لعّل أهمّ كتاباته ثلاثة كتب دُعيت “ثلاثيّة إكليمندس” تمثّل منهج مدرسة الإسكندريّة، وهي: الكتاب الأوّل: “نصائح لليونانيّين”. في هذا الكتاب يدعو إلى ترك الوثنيّة وقبول الإيمان المسيحيّ بواسطة المسيح. الكتاب الثّاني: “المعلّم”. وفيه دعوةٌ إلى تحويل الإيمان إلى عمل لنكون مشابهين لابن الله، وتحت قيادته إذ هو المعلّم. الكتاب الثّالث:” المتفرّقات”. وفيه يُحدّد أنّ غاية المسيحيّ هي التّمتّع بالمعرفة الروحيّة الفائقة وذلك خلال اتّحاده بالمسيح كعريس للنّفس. وله كتبٌ أخرى مثل: “من هو الغنيّ الّذي يَخلُص؟” و”رسالة عيد الفصح”.
أهمّ ما اتّسم به هذا القدّيس هو نظرته للفلسفة والمعرفة. فقد انخرط في جدال مع المسيحيّين الّذين كانوا يشكّكون في المسيحيّة الفكريّة الّتي تدمج الفلسفة اليونانيّة واللاهوت المسيحيّ. فقد جادل إكليمندس الإسكندريّ مُعتبرًا أنّه لا ضير من استخدام الفلسفة اليونانيّة، فهي هبةٌ من الله وإن أفسدها البشر بخلط الحقّ بالباطل. وقال أنّها نوعٌ من “الإنجيل التّحضيريّ” الّذي يمكن أن يقود النّاس نحو المسيح.
ألمح إكليمندس الإسكندريّ إلى نظريّة المدينَتَين، “مدينة السّماء ومدينة الأرض”، وقد سبق في بحثه هذا القدّيس أوغسطينوس، عالم اللاهوت العظيم، الّذي عاد وكتب عن هذا الموضوع بعد قرنين من الزّمان في كتابه االعظيم “مدينة الله”. كما كان سابقًا لأوغسطينوس في تناوله لموضوع “الحرب العادلة”، وهي نظريّةٌ كانت مهيمنةً في الحضارة الغربية منذ أوائل العصور الوسطى.

