تأمّل في عظمة الخالق ورقّة الرّاعي
حين يقف الإنسان تحت سماءٍ مرصّعةٍ بالنّجوم، لا يسعه إلّا أن يشعر بضآلته أمام هذا الكون الفسيح. قد نبدو في هذا الفضاء الشّاسع كـ “جرادٍ” صغيرٍ لا يُرى، ولكن خلف هذه الضآلة الظّاهرة تكمن حقيقةٌ مذهلة؛ وهي أنّ خالق هذه المجرّات العظيمة ينظر إلينا بعين المحبّة الفريدة. نحن لسنا مجرّد ذرّاتٍ تائهة، بل نحن كائناتٌ غاليةٌ ومحبوبةٌ بشكلٍ لا نهائيّ، لأنّ الله أظهر عظيم قدرنا عنده حين أرسل ابنه ليفدينا.
يصف النّبيّ إشعياء في ثنايا نبوّته، اتّساع عظمة الله وجلاله المهيب. هو الّذي يكيل المحيطات والبحار والأنهار بِجَمِّ كفّه، وتُحسَب الأمم أمامه كغبارٍ دقيق، أو محض قطرةٍ في دلو. هو الّذي يعلم كلّ شيء، ولم يكن له يومًا مُعلّم، فهو ينبوع كلّ معرفةٍ وحكمة.
هو الجالس فوق كرة الأرض، الّذي يبسط السّماوات كخيمةٍ يسكن تحتها الإنسان. هو الّذي يقيس أبعاد الكون، ويزن الجبال بموازينه. هو العليّ الّذي لا نظير له ولا مثيل.
هذا وصفٌ مذهل وبليغ لله في سلطانه وهيمنته. ولكنّه، وبشكلٍ يثير الدّهشة، هو أيضاً “الرّاعي”. وهنا تنكشف لنا زاويةٌ أخرى؛ لم نعد نرى فقط القوّة المطلقة لكائنٍ جليل، بل نرى رقّةً تذيب القلوب. نراه يُطعِم قطيعه، يجمع الحِملان الصّغيرة بساعدَيه، ويولي عنايةً فائقةً للأمّهات منها. إنّ الله عظيم في سموّه، ومع ذلك فهو يمتلك أرقّ روحٍ وأعطف قلب؛ يهتمّ بالمنكسرين، ويعد بالّدفاع عن اليتيم والأرملة، وينصف المظلومين في كلّ أرض.
إنّه الإله الذي يُحِبّ من لا يجد حبًّا. يغفر بفيضٍ غامر من الرّحمة والنّعمة. ولعلّ أعظم فعلٍ شهدته البشريّة عبر تاريخها هو تجلّي هذه النّعمة في شخص ابنه، يسوع المسيح، الّذي جاء إلى عالمنا كأرقّ وألطف إنسان، ليحمل عنا أثقالنا.
إنّ الله يمتلك كلّ القوّة والقدرة، ومع ذلك، فإنّه يُسِخِّر تلك القوّة العظيمة ليحملنا نحن طوال أيّام حياتنا.
أليس هذا إلهًا يستحقّ الثّقة؟ ألا يستحقّ أن نكرّس له حياتنا، ونعيش لأجله؟


