نحن نتوق إلى سعادةٍ عميقةٍ وكاملة. أليست السّعادة حقًا طبيعيًّا لكلّ إنسان؟ لذلك نسعى إلى تحقيق ما يعتبره المجتمع علاماتٍ للنّجاح: شراء منزل أو سيّارة، الزّواج، وتربية الأبناء. ونحلم بحياةٍ خاليةٍ من الضّغوط الماليّة والهموم العاطفيّة، وبصحّةٍ جيّدة، وأوقاتٍ جميلةٍ مع العائلة والأصدقاء.

لماذا لا تدوم السّعادة؟

لكنّنا، مع مرور الوقت، نكتشف أنّ سعادتنا كثيرًا ما تتبدّد تحت وطأة الضّغوط اليوميّة. فالقوائم الّتي لا تنتهي من الواجبات والالتزامات تسرق فرحنا، كما تؤثّر أمزجتنا، والتّغيّرات الهرمونيّة، وحالتنا الصّحيّة في شعورنا بالسّعادة. لذلك نلجأ أحيانًا إلى الدّعم، أو الإرشاد، أو العلاج، أو الأدوية. ومع أنّنا نفرح بإنجازاتنا ونعتزّ بها، فإنّنا ندرك، ولو بعد حين، أنّ الظّروف الخارجيّة لا تمنح إلّا سعادة مؤقّتة، سرعان ما تزول بزوال أسبابها.

عندما لا تكفي الظّروف

عندئذٍ نبدأ بالبحث عن حكمةٍ تمنح الحياة معنًى، وندرك أهميّة الحياة الرّوحيّة. فالمبادئ التي يعلّمنا إيّاها الله لا تغيّر ظروفنا دائمًا، لكنّها تغيّر قلوبنا، وتمنحنا رضًا أعمق من تقلّبات الحياة. يدعونا الكتاب المقدّس إلى بناء سعادةٍ تنبع من الدّاخل، تقوم على الثّقة بالربّ والإيمان بأنّ كلّ الأشياء تعمل معًا للخير للّذين يحبّونه. كما يحثّنا على الامتنان لما بين أيدينا، وقبول ما نفتقده بدون تذمّر، وخدمة الآخرين بأمانةٍ ومحبة.

ما الّذي يصنع الفرق؟

ولهذا يدعونا الرّسول بولس إلى أن نوجّه أفكارنا إلى كلّ ما هو حقٌّ وجليلٌ وعادلٌ وطاهرٌ ومُسرٌّ وصيته حسن. فعندما نملأ عقولنا بهذه القيم، ينمو في داخلنا سلامٌ لا يتوقّف كليًّا على ما يحدث حولنا. وهذا ما يميّز الحكمة الّتي يقدّمها الكتاب المقدّس؛ فهي لا تنكر صعوبة الواقع، لكنّها تدعونا إلى تبنّي منظورٍ يحرّرنا من أن نبقى أسرى تقلّباته، فنختبر فرحًا أكثر ثباتًا، لأنّه لا يستمدّ قوّته من الظّروف المتغيّرة، بل من الله نفسه.

مّا أنا، فقد تعلّمت، وما زلت أتعلم، أن أستمتع ببركات ربّنا الغزيرة وأشكره عليها. وتعلّمت أن أعيش متّكلةً على الرب، مستمدّةً فرحي منه لا من ظروف الحياة المتقلّبة.

Author

شاركها.
Exit mobile version