نوادر البخلاء لا تنتهي. فالبخيل يشبه البحر الميت، يأخذ ولا يعطي. وقد لخّص الجاحظ حاله بقوله: “سُقام الحِرص ليس له شِفاء، وداء البخل ليس له دواء.”
وفي القرى اللبنانية يُطلَق على البخيل لقب “الكحتي”، ويقال عن حالته إنها “الكحتنة”، أي التّقتير المبالغ فيه والاحتفاظ بكلّ شيء، حتّى ما لا قيمة له. فقد يحتفظ البخيل بقطعة قماشٍ بالية، أو بصحن بورسلان مكسور، أو بأيّ قطعةٍ تالفة، بحجّة أنّه قد ينتفع بها يومًا. وهكذا يتحوّل الحرص على المال والأشياء إلى عبء، وقد يصبح ما يحتفظ به مصدر أذًى بدل أن يكون مصدر منفعة.
وليس غريبًا أن يربط النّاس بين البخل وقبضة اليد. ففي الموروث الشّعبيّ يقال إنّ المولود الّذي يأتي إلى الدّنيا وقبضتاه مزمومتان سيغادرها كذلك. فالكفّ المبسوطة صارت رمزًا للسّخاء، والكفّ المزمومة رمزًا للبخل.
ومن أمثالنا الشّعبيّة: “مين مات وأخذ مصرياته معه؟” و”الصّيت الحسن ولا المال المجموع.” وهي أمثال تختصر حقيقة بسيطة. المال الّذي يُكدَّس ولا يُنتفع به، ولا يُسخَّر لخير الإنسان ومن حوله، يفقد كثيرًا من قيمته.
وهذا ينسجم مع تحذير المسيح من عبوديّة المال: “لا تقدرون أن تخدموا الله والمال” كما قال: “انظروا وتحفّظوا من الطّمع، فإنّه متى كان لأحدٍ كثير فليست حياته من أمواله”.
وقد يكون أبلغ ما يُروى عن البخل قصّة ذلك المليونير الّذي أمضى حياته في جمع ثروةٍ طائلة، من دون أن ينعم بها أو يسمح لنفسه بالاستمتاع بها. وبعد موته، تزوّجت أرملته السّائق، فأصبح هو من ينعم بالمال الّذي قضى الرجل حياته في جمعه.
قد تكون القصّة طريفة، لكنّها تحمل درسًا مؤلمًا. المال وسيلة للحياة، وليس غاية الحياة. وحين يتحوّل المال إلى هاجس، يصبح الإنسان خادمًا لما جمعه بدل أن يكون المال في خدمته.
والبخل لا يحفظ المال بالضّرورة، كما أن السّخاء لا يعني تبديده. الحكمة أن نعرف كيف نملك المال من دون أن يمتلكنا. وقد قال حاتم الطّائي:
“فلا الجود يفني المال قبل فنائه ولا البخل في مال الشّحيح يزيد.”
فما أجمل أن تخرج اليد من قبضتها، وأن يتحوّل المال من غاية نكدّسها إلى وسيلة نصنع بها خيرًا، ونترك وراءنا ذكرًا حسنًا. فالإنسان لا يُقاس بما جمعه، بل بما صنعه بما جمع.


