في لحظات التّوتّر والضّغط، نظنّ أنّ القوّة تعني الردّ السّريع ورفع الصّوت، لكنّنا نكتشف مع الوقت أنّ أقوى القرارات هي تلك الّتي تُتَّخذ بهدوء، بعيدًا عن الانفعال.
في حياتنا اليوميّة، كثيرًا ما نربط القوّة بالصّوت العالي أو بفرض الرّأي. نعتقد أنّ من يربح النّقاش هو الأقوى، وأنّ من يتراجع هو الأضعف. لكنّ التّجربة تقول غير ذلك. في كثيرٍ من الأحيان، القوّة الحقيقيّة تظهر عندما يختار الإنسان اللطف بدل العنف، والهدوء بدل الإنفجار.
نمرّ جميعًا بمواقف صعبة، مثل الإهانة أو الظّلم أو سوء الفهم. وغالبًا ما يكون ردّ الفعل الأوّل هو الغضب، وهذا أمرٌ طبيعيّ. لكن ليس كلّ ما نشعر به يجب أن نترجمه الى تصرّف. أحيانًا، التّوقّف لحظةً والتّفكير قبل الردّ يكون أصعب، لكنّه أنضج وأكثر حكمة.
يعبّر الربّ يسوع المسيح عن هذه الفكرة بعبارةٍ بسيطةٍ وواضحة: “كما تريدون أن يفعل النّاس بكم، إفعلوا أنتم أيضًا بهم هكذا” (لوقا 31:6). هذه العبارة لا تتطلّب المثاليّة، بل تذكّرنا بمبدأ إنسانيّ واضح: أن نعامل الآخرين بالطّريقة الّتي نحبّ أن يعاملونا بها، حتّى عندما لا يكون ذلك سهلًا. فهي تدعونا الى التّفكير قبل التّصرّف، وإلى اختيار ما هو صحيح بدل ما هو سريع.
نرى هذا المعنى كثيرًا في حياتنا في لبنان. مثلًا، في طابور طويل أمام دائرة رسميّة، قد يبدأ شجارٌ بسبب الدّور. ترتفع الأصوات، ويزداد التّوتّر. أحيانًا، يكفي أن يتنازل شخصٌ واحدٌ عن مكانه ليهدأ كلُّ شيء. هذا التّصرّف لا يحلّ المشكلة من جذورها، لكن يمنعها من أن تتحوّل الى فوضى، ويُظهر احترامًا للآخرين.
الإنسان الّذي يسعى إلى الفهم قبل إصدار الأحكام، ويستمع قبل أن ينتقد، يساهم في خلق جوّ أكثر هدوءًا من حوله. فالتّسامح لا يعني تجاهل الخطأ، بل يعني عدم السّماح للغضب بأن يقود التّصرّف. والرّحمة لا تلغي العدل، لكنّها تمنع القسوة.
في التّفاصيل الصّغيرة تُظهِر إنسانيّتنا: كلمةٌ محترمة، مساعدةٌ بسيطة، أو حتّى صمتٌ في مكانه. أشياء عاديّة، لكنّها تصنع فرقًا حقيقيًّا في العلاقات بين النّاس.
في الخلاصة، قد لا نملك القدرة على تغيير ما يحدث حولنا، لكنّنا نملك دائمًا خيار الطّريقة الّتي نردّ بها. وحين نختار الهدوء، والاحترام، وضبط النّفس، نكتشف أنّنا لم نكن ضعفاء كما ظننّا، بل أقوى ممّا نعتقد.

