ينظر المسيح إلى الإنسان كالقيمة الأعلى الّذي يجب على القادة خدمته وبناء حياته. وعندما ابتدأ يسوع رسالته في الأرض أعلن أنّ همّه الأوّل هو أن يكون للإنسان حياةٌ أفضل. وبذلك وضع يسوع هدفًا ساميًا للقيادة يختلف عن الأهداف الّتي وضعها قادة آخرون. وهكذا سلّط يسوع الضّوء على أهميّة الإنسان كقيمة مستمدّة من الله تستحقّ الاهتمام والخدمة. بمفهومه هذا يؤكّد يسوع أنّ القيادة الّتي لا تهدف إلى بناء الإنسان وخيره ستتمركز حتمًا حول المال والسّلطة والمصلحة الذّاتيّة للقائد.
أمّا القادة الّذين يُريدون أن يصنعوا فرقًا في مجتمعاتهم فما عليهم سوى تبنّي هذا النّموذج الفريد الّذي قدّمه يسوع، ألا وهو نموذج “الهرم المقلوب”. في هذا النّموذج يضع القائد نُصب عينيه شعبه الّذي يُرفّعه على مصلحته الشّخصيّة. يستحقّ هذا النّموذج أن نعود إليه ونمتهنه ونعلّمه لأجيالنا ونعيشه أمامهم. وتبقى القيادة النّموذجيّة هي تلك الّتي مصدرها تعاليم السيّد المسيح الّتي قلبت المقاييس وخلقت مفهومًا جديدًا للقيادة.
إنّ نموذج يسوع في القيادة حطّمَ السّلطان التكبّري والفوقيّ في السّلوك القياديّ السّائد بين النّاس. وضرب طموح الزّعامات السّلطويّة، وصَنَعَ طريقًا آخر نحو قيادة ديمقراطيّة مصدرها الشّعب وأسلوبها الهرم المقلوب الّذي يمثّل الرّأس في الأسفل والقاعدة في الأعلى، وهدفها الخدمة العامّة وليس المصالح البيوقراطيّة الشّخصيّة.
تحدّى يسوع القادة التقليديّين وأنشأ أسلوبًا جديدًا للقيادة بكافّة مفاهيمها. فهو شفى المرضى يوم السّبت وفي الهيكل، ليبرهن أمام معلّمي الشريعة أنّ الإنسان أهمّ من السّبت. وأضاف يسوع معنى آخر للقيادة عندما قال أنّ السبت هو من أجل الإنسان وليس الإنسان من أجل السّبت.
والقيادة الّتي مارسها يسوع وضعت منهجًا يهدف إلى مصلحة الإنسان والخير العامّ. والهدف من منظومة القيادة هو مشاركة الإنسان الآخر في العمل والإنجاز وتوجيهه نحو مستوى أفضل مبنيّ على المثُل العليا وحريّة التّعبير والاختيار والطّموح. وهذه من أبسط المبادئ الّتي تمثّل حقوق الإنسان الّتي سعى يسوع في قيادته إلى إظهارها في المجتمع. بينما كان الهدف السّائد بين قادة عصره هو الرّبح القبيح والتّسلّط على البشر. وللأسف ما زالت بعض هذه النّماذج التقليديّة تسيطر على شعوبها بالقمع والتّسلّط.
وأطرح سؤالًا على من يظنّ أنّه مدعوّ للخدمة أو لقيادة شعبه: هل شغلتَ منصبًا في إدارة أيّ من المؤسّسات؟ ما كان هدفك هناك؟ هل كان هدفك خدمة الآخرين أم استغلالهم للوصول الى اللقب أو لبلوغ المركز؟ ولعلّنا ندرك الفرق بين قيادة شعب وإدارة مؤسسة. ليست القيادة مهنةً أو مَقامًا أو شغفًا يأخذ قلب القائد فيُدرّب نفسه على صقل مهاراته ويُمارس قيادته. إنّها إدارة ٌوقيادةٌ في آن. وهذان مفهومان مختلفان مع أنّهما يسيران معًا في خطّ متوازن، وذلك من أجـل إدارةٍ مؤسّساتيّةٍ سـليمةٍ وحازمةٍ في آن، لإنتاج العمل وتحقيق الرّؤيا في خدمة الشّعب. من أراد أن يكون قائدًا مثاليًّا يستحقّ لقبه بجدارته عليه أن يتبنّى نموذج يسوع في خدمة النّاس، وهذا باركه الله. كن قائدًا واســتحقّ هذا اللقب بجــدارتك وتدريب مهــاراتك في إدارة مؤسـّسـةٍ وقيادة شــعبٍ وأمّة.

