الناس يتمنّون العمر الطويل لهم ولأحبائهم. يتساءل من يعرف أنّ الناس في القديم عاشوا مئات من السنين، كمتوشالح الّذي كان أكبر مُعمّر على الأرض وعاش 969 سنة، كيف أنّ عمر الإنسان بعد زمن طوفان نوح حدّده الله بسقف أعلى لا يتجاوز 120 سنة؟ وهذا ما تؤكّده نقوش بابليّة قديمة تذكر أنّ الآلهة لم تعد تسمح للبشر بأن يعيشوا أكثر من ذلك! وبقِيَ عمر البشر يتناقص حتى صار أيّام موسى وداود مُحدّدًا بما نعرفه في زمننا: “أَيَّامُ سِنِينَا هِيَ سَبْعُونَ سَنَةً، وَإِنْ كَانَتْ مَعَ الْقُوَّةِ فَثَمَانُونَ سَنَةً، وَأَفْخَرُهَا تَعَبٌ وَبَلِيَّةٌ، لأَنَّهَا تُقْرَضُ سَرِيعًا فَنَطِيرُ” (مز 90: 10).
بينما كنت أحاول الإجابة عن سبب تناقص عمر الإنسان وعن علاقته بموت كبار السنّ تعلّمت بعض الدروس القيّمة ومنها: (أ) جميع البشر يموتون ولا ينجو أحد، مهما طال عمره أو قصُر، من الموت. يقول النبيّ إرميا: “يَمُوتُ الْكِبَارُ وَالصِّغَارُ فِي هذِهِ الأَرْضِ”. (إر 16: 6). (ب) كلّ إنسان يولد في وقته ويموت في وقته. (جا 3: 2). (ج) إنّ نوعية حياة الإنسان ونهايتها هي أهمّ من طول أيّامه. (عد 23: 10). (د) الرجل الكبير السن الّذي عاش في الإيمان، وعرف أنّ قواه الجسديّة بدأت تخور وأن لحظة خروجه من الأرض قد اقتربت يتحضّر ليكون مع الرّبّ (جا 12: 5). (هــ) طلب كبار السّن في العهد القديم أن تكون ميتتهم بشيبة صالحة وبسلام وبصيت حسن، ويُدفَنون دفنًا لائقًا بالأبرار والحكماء وبكرامة بمدافن آبائهم. وهكذا “أَسْلَمَ إِبْرَاهِيمُ رُوحَهُ وَمَاتَ بِشَيْبَةٍ صَالِحَةٍ، شَيْخًا وَشَبْعَانَ أَيَّامًا، وَانْضَمَّ إِلَى قَوْمِه” (تك 25: 8) أما الأشرار والحمقى فيموتون بلا كرامة ومُكلّلين بالإهانة (مز 49: 14، 19؛ حز 32: 22-30). يُعبّر الشاعر الألماني رينيه-ماريا ريلكه عن ارتباط نوعيّة الحياة بطريقة نهايتها بقوله: “إمنح يا ربّ كلّ امرئ ميتَته، ميتة تكون قد وُلِدت من حياته الخاصّة”.
في الخلاصة، كبير السّنّ لا يعود يهمّه أن يبقى سنين أطول في هذه الحياة الأرضيّة المتعِبة بل يتوق إلى أن يتحرّر من سجنه فيها. شعر بولس الرسول عندما وصل إلى الشيخوخة أنّه يحمل جثته عليه، وكان جسده يُتعبه ويؤلمه ويُعيقه ويُريد أن يتحرّر منه، حتى إنّه صرخ متأوهًا: “وَيْحِي أَنَا الإِنْسَانُ الشَّقِيُّ! مَنْ يُنْقِذُنِي مِنْ جَسَدِ هذَا الْمَوْتِ؟” (رو 7: 24). وعندما لمس بولس دنو أجله، لم يشعر بالحسرة ولم يضطرب ولم يفقد فرحة الحياة المنتصرة، بل رفع واحدة من أحلى تسبيحاته التي كتبها وعبّر فيها عن رجائه الثابت في المسيح ليُشجّع المؤمنين عندما قال: “لأَنَّنَا إِنْ عِشْنَا فَلِلرَّبِّ نَعِيشُ، وَإِنْ مُتْنَا فَلِلرَّبِّ نَمُوتُ. فَإِنْ عِشْنَا وَإِنْ مُتْنَا فَلِلرَّبِّ نَحْنُ”. (رو 14: 8).
وهكذا عَدَّ بولس أن الموت ربح من دون أن يشعر أنّه خسر شيئًا من سنيّ حياة إضافيّة كان يُمكن أن يعيشها في الأرض، “لأَنَّ لِيَ الْحَيَاةَ هِيَ الْمَسِيحُ وَالْمَوْتُ هُوَ رِبْحٌ” (في 1: 21). هل يقدر قارئ هذه الأسطر أن يقول: “الموت هو ربح”. لا يقدر أحد أن يقول ذلك ما لم يربح المسيح أولًا. فمن يربح المسيح يربح معه الحياة الأبديّة. هذا هو الربح الحقيقيّ وكلّ ما عداه خسارة. على كبير السنّ أن يسأل نفسه هل هو مستعدٌّ للمغادرة في أيّ لحظة؟

