كان تاتيان كاتبًا وعالِمًا لاهوتيًّا ومدافعًا عن الإيمان المسيحيّ في القرن الثّاني الميلاديّ. اشتهر بأسلوبه الفكريّ الجريء، ونقده الحادّ لبعض جوانب الثّقافة اليونانيّة والرّومانية، وكان له تأثيرٌ مهمٌّ في المسيحيّة السّريانيّة. كما عُرف بكثرة أسفاره واهتمامه بالفلسفة والبحث عن الحقيقة.
من الفلسفة إلى الإيمان
وُلد تاتيان في أرض أشور، شرق نهر دجلة، في عائلةٍ وثنيّة، ويبدو أنّه تلقّى تربيةً وثقافةً يونانيّةً واسعة. ولا تتوافر معلوماتٌ مؤكّدة عن تفاصيل حياته الأولى أو عن مكان وفاته، ولذلك تبقى بعض الرّوايات المتداولة حول سيرته موضع نقاش.
تعلّم البلاغة والفلسفة اليونانيّة، لكنّه أصيب بخيبة أملٍ ممّا رآه في حياة بعض الفلاسفة من محبّةٍ للمال وفسادٍ في الأخلاق. كما رأى في الرّومان العجرفة وحبّ السّلطة، وفي بعض النّظريّات الفلسفيّة اليونانيّة كلامًا كثيرًا لا يقترن بحياةٍ فاضلة.
وفي روما، تعرّف إلى المسيحيّة، وكان من سامعي القدّيس يوستينوس الشّهيد. ويبدو أنّ قراءته للكتب المسيحيّة واليهوديّة القديمة، وما وجده فيها من إعلان للحقيقة الإلهيّة، كان له أثرٌ حاسمٌ في إيمانه. وقد أصبح مسيحيًّا نحو منتصف القرن الثّاني، لكنّه احتفظ بشخصيّةٍ فكريّةٍ مستقلّةٍ وآراء خاصّة.
مدافع جريء وآراء مثيرة للجدل
كان تاتيان شديد النّقد للفلسفة والثّقافة اليونانيتين، حتّى إنّه هاجم بعض جوانبهما بشدّة، منتقدًا الفلسفة والفنون واللغة والممارسات الأخلاقيّة الّتي رآها منحرفة. ومع ذلك، لم يستطع أن يتخلّص تمامًا من أثر الفكر اليونانيّ الّذي تلقّى تعليمه في ظلّه.
بعد استشهاد يوستينوس نحو سنة 165 م، اتّجه تاتيان إلى آراء أكثر تشّددًا في موضوع الزّهد وضبط الشّهوات. ويربط إيريناوس اسمه بالإنكراتيّين، وهم جماعةٌ شدّدت على الامتناع عن الزّواج وبعض الأطعمة والمشروبات، واعتبرت الزّواج أمرًا غير مشروع. ويذكر يوسابيوس أنّ تاتيان ارتبط بهذه الحركة، وأنّه كان من أبرز من ارتبطوا بنشأتها.
ألّف تاتيان كتابه الشّهير “خطاب إلى اليونانيّين”، وهو دفاعٌ عن المسيحيّة ونقدٌ للفكر والثّقافة اليونانيّين. حاول فيه أن يبرهن أنّ الحكمة الّتي أعلنتها المسيحيّة أقدم وأسمى من الفلسفات اليونانيّة، وأنّ الكتابات المقدّسة تمتلك معرفة بالحقيقة لا يجدها الإنسان في الفلسفة وحدها. وكان أسلوبه في الكتابة شديد اللهجة في نقده للفلسفة والممارسات الدّينيّة اليونانيّة.
الدّياتيسارون: الأناجيل في رواية واحدة
لكنّ أشهر أعمال تاتيان هو الدّياتيسارون (Diatessaron)، وهو عمل جمع فيه روايات الأناجيل الأربعة، متّى ومرقس ولوقا ويوحنا، في سردٍ واحدٍ متّصل ٍلحياة يسوع المسيح. وقد أصبح هذا العمل ذا أهميّةٍ كبيرةٍ في المسيحيّة السّريانيّة، حتّى إّنه كان النصّ الإنجيليّ المستخدم على نطاقٍ واسعٍ في سوريا خلال القرنين الثّالث والرّابع. ويُعرف اسمه السّريانيّ بـ”إنجيل الممزوج” أو “الإنجيل المدمج”. ثمّ بدأ استخدام الأناجيل الأربعة منفصلةً يحلّ محلّه تدريجيًّا في الكنائس السّريانيّة.
وقد حفظ لنا إفرام السّرياني جزءًا مهمًّا من تراث الدّياتيسارون من خلال شرحه له، بينما وصلتنا رواياتٌ ومخطوطاتٌ لاحقةٌ تساعد في إعادة بناء نصّه. وهكذا بقي اسم تاتيان مرتبطًا بأحد أقدم المحاولات لعرض روايات الأناجيل الأربعة في روايةٍ واحدة.
تراثٌ بقي رغم الجدل
ومع أنّ بعض تعاليم تاتيان اللاحقة أثارت انتقادات عدد من آباء الكنيسة، فإنّ اسمه بقي حاضرًا في تاريخ المسيحيّة، لا بسبب جدله الفكريّ فحسب، بل بسبب شغفه بالبحث عن الحقيقة ودفاعه الجريء عن الإيمان. فقد انتقل من عالم الفلسفة والبحث عن الحكمة إلى الإيمان بالمسيح، ثمّ سخّر قلمه وفكره لخدمة الكلمة الّتي آمن بها. وبقي الدّياتيسارون شاهدًا على رغبته في أن يجمع شهادة الأناجيل الأربعة في إعلانٍ واحدٍ عن المسيح. وهكذا يذكّرنا تاتيان بأنّ العلم والفكر لا تكون قيمتهما في كثرة ما نعرف، بل في الحقيقة الّتي نبحث عنها، وفي الكلمة الّتي نكرّس حياتنا لإعلانها.

