كثيرون هم الّذين يتوقون لصنع أمورٍ عظيمةٍ من أجل ملكوت الله، لكنّهم سرعان ما يشعرون بالإحباط حين يتأمّلون بالعالم من حولهم فيرون أنّ المتاعب تتضاعف من كلّ جانب، وكأنّ البشريّة قد انحدرت إلى أدنى مستوياتها. ففي لحظات الإحباط نشعر أنّ الصّلاة هي الخيار الوحيد المتبقّي لنا. ومع ذلك، قد تبدو الصّلاة في أعيننا محاولةً هزيلةً أمام هذا الظّلام الدّامس الّذي يلفّ المسكونة، فنتساءل بألم: “ألَيسَ هناك ما هو أكثر فاعليّةً لنقوم به؟”
غير أنّ الحقيقة الثّابتة هي أنّ الصّلاة هي ذلك “الأكثر” الّذي نبحث عنه. فهي ليست الملاذ الأخير أو الأقلّ شأنًا، بل هي في الواقع أسمى وأهمّ مَهمّةٍ يمكن أن نضطّلع بها على الإطلاق، وهو أمرٌ غالبًا ما يغيب عن أذهاننا. فقبل أن أمتهن الصّحافة، كنت أنظر إلى مآسي العالم وأشعر بعجزٍ تامّ تجاهها. ومع مرور الوقت، تعلّمت كيف ألتجي للصّلاة كلّما واجهت أخبارًا مروّعةً تعصف بالعالم.
كنت غالبًا ما أرفع صلاتي قائلة: “يا ربّ، أنا مجرّد إنسانةٍ بسيطة، لا شأن لي ولا مكانةً تذكر. لكنّي بتواضع وجسارة أتمسّك بك وأنا واثقةٌ بأنّ صلواتي البسيطة تهمّك، وبأنّها ستصنع فارقًا”. وبالفعل، ومع الأيّام، رأيت أنّ صلواتي صنعت فارقًا حقًّا. ليس لأنّها تمتلك أيّ ميزةٍ خاصّة، بل لأنّي وضعت ثقتي بإلهٍ قدير. لقد كان وعد المسيح أمامي دائمًا: “كُلُّ مَا تَطْلُبُونَهُ فِي الصَّلاَةِ مُؤْمِنِينَ تَنَالُونَهُ” (متى 21: 22).
أعرف أرملةً مُسنّةً مثقّفةً تعلّمت منها أهميّة الصّلاة التّشفعيّة. هذه السيّدة كانت تتابع ما يدور في العالم عبر القراءة النّهمة ومشاهدة نشرات الأخبار المتنوّعة. إلّا أنّها كانت تعتزل يوميًّا في مخدعها لتتضرّع إلى الرّبّ من أجل من تسمع عنهم في الأخبار. أكيد أنّ هؤلاء لم يعرفوا عنها ولن يعرفوا اسمها أبدًا في هذه الحياة. لكن أثق أنّها بصلواتها كانت تهزّ أبواب السّماء لأجلهم.
إنّني أتخيّل ذلك اليوم الّذي سنندهش فيه حين نرى الرّبّ يُكرّم هؤلاء الشّفعاء المجهولين الّذين بذلوا أنفسهم في التّعبّد الصّامت والتّشفّع بغيرهم، ولم يحملوا ألقابًا برّاقة، إلّا أنّهم تمتّعوا بقوّةٍ سماويّةٍ عُلويّةٍ إذ طلبوا وجه الله بأمانةٍ وحرارة. والأهمّ، وفوق كلّ هذا، أرى أنّ الله سيعرض لهم تقريرًا باستجابات صلواتهم الّتي لم يعرفوا عنها شيئًا. بنيتُ خلاصتي هذه من تعليم يسوع ووعده في الإنجيل إذ قال: “وَأَمَّا أَنْتَ فَمَتَى صَلَّيْتَ فَادْخُلْ إِلَى مِخْدَعِكَ وَأَغْلِقْ بَابَكَ، وَصَلِّ إِلَى أَبِيكَ الَّذِي فِي الْخَفَاءِ. فَأَبُوكَ الَّذِي يَرَى فِي الْخَفَاءِ يُجَازِيكَ عَلاَنِيَةً” (متى 6: 6).

