تُعلن الموعظة على الجبل إحدى أعمق تطويباتها: “طُوبَى لِلرُّحَمَاءِ، لأَنَّهُمْ يُرْحَمُونَ.” لا يأتي ترتيب هذه التّطويبة عبثًا في الموعظة على الجبل، بل هي محطّةٌ مفصليّة في المسار الرّوحيّ. يبدأ تلميذ المسيح بالوعي بفقره الرّوحيّ، ثمّ يجوع ويعطش إلى البرّ، وحين ينال التّبرير، يفيض بالرّحمة على من حوله. وفي عالم مليء بالقسوة والإدانة والتّشفّي واللّارحمة، يُطوّب يسوع الرحماء. فالرّحمة ليست عاطفةً مجرّدة، بل هي مسلكٌ عمليٌّ يحوّل الشّفقة إلى أيدٍ تضمّد وتغفر، ويجعل من يمارسها أكثر شبهًا بالله الرّحوم. لذلك أوصى يسوع: “فَكُونُوا رُحَمَاءَ كَمَا أَنَّ أَبَاكُمْ رَحِيمٌ”. فطوبى لهم!
ما هي الرّحمة؟
الرّحمة هي الرقّة والتّعاطف والشّفقة واللطف والمغفرة. إنّها تدفع إلى الإحسان للمحتاج والعفو عن المسيء، وهي النّقيض المباشر للقساوة واللامبالاة. وفي الإيمان المسيحيّ هي شفقةٌ عمليّةٌ حيّة.
وتتجسّد الرّحمة في مفهوم يسوع في أعمال ملموسة كما في مثل السّامريّ الصّالح. كان هذا الرّجل غريب الجنس عن المجتمع الدّينيّ اليهوديّ، إلّا أنّه امتلك قلبًا رحيمًا رأى حاجة المُصاب والمتروك، فاقترب إليه وضمّد جراحه واعتنى به، بينما تركه رجال الدّين وتجاهلوا مصابه فلم يرحموه.
أمّا مع السّاقطين، فالرّحمة تنظر بعين الشّفقة إلى الخاطئ وتمنحه فرصةً جديدةً بدون أن تسحقه. إنّها تميّز بوضوحٍ بين الخطيّة والخاطئ: ترفض الخطيّة، وتستقبل الخاطئ الّذي حطّمته الآثام لتعيد بناء حياته. ويتّضح ذلك جليًّا في تعامل يسوع مع المرأة الزّانية، إذ واجه يسوع الديّانين القساة الّذين أرادوا رجمها قائلاً: “مَنْ كَانَ مِنْكُمْ بِلاَ خَطِيَّةٍ فَلْيَرْمِهَا أَوَّلاً بِحَجَرٍ!”. ثمّ قال لها: “وَلاَ أَنَا أَدِينُكِ. اذْهَبِي وَلاَ تُخْطِئِي أَيْضًا”. لم يحطّمها يسوع بل حماها، وكساها برحمته، ورفعها من إذلالها، ووهبها بدايةً جديدة.
مصدر الرّحمة
الرّحماء في هذه التّطويبة هم أشخاص سبق واختبروا رحمة الله في أعماقهم، وبسبب هذا الاختبار الحيّ يرحمون غيرهم. ومؤسف ألّا يفعل ذلك كثيرون! كم نتفاجأ بأشخاصٍ رحمهم الله وسامحهم النّاس على تجاوزاتهم الكبيرة، لكنّهم يعجزون عن مسامحة غيرهم على أخطاء صغيرة!
أخبر يسوع قصّة العبد الّذي غفر له سيّده دين العشرة آلاف وزنة فضّة، لكنّه رفض أن يرحم رفيقه المديون له بمئة دينار، فتمسّك بعنقه مُهدّدًا وصارخًا: “أَوْفِني مَا لِي عَلَيْكَ”. فوبّخه سيده: “أَفَمَا كَانَ يَنْبَغِي أَنَّكَ أَنْتَ أَيْضًا تَرْحَمُ الْعَبْدَ رَفِيقَكَ كَمَا رَحِمْتُكَ أَنَا؟”. ألا ينبغي للّذين اختبروا رحمته أن يرحموا غيرهم؟ إن الامتناع عن ممارسة الرحمة يحرم الإنسان من المغفرة التي نالها، ويجعله عُرضةً لمُعاملةٍ بالمثل تقابل قساوته بحُكمٍ خالٍ من الشفقة، وهو ما يُؤكّده يعقوب بقوله: “لأَنَّ الْحُكْمَ هُوَ بِلاَ رَحْمَةٍ لِمَنْ لَمْ يَعْمَلْ رَحْمَةً، وَالرَّحْمَةُ تَفْتَخِرُ عَلَى الْحُكْمِ”. إن عدم ممارسة الرحمة يُعرّض الإنسان للإدانة “بالمكيال نفسه”، فيفقد المغفرة التي نالها وتُقابل قساوته بحُكمٍ خالٍ من الشفقة، وهو ما يُؤكّده يعقوب بقوله: “لأَنَّ الْحُكْمَ هُوَ بِلاَ رَحْمَةٍ لِمَنْ لَمْ يَعْمَلْ رَحْمَةً، وَالرَّحْمَةُ تَفْتَخِرُ عَلَى الْحُكْمِ”.
المردود الإلهيّ: “لأنّهم يُرحمون”
يتوّج المسيح التّطويبة بوعدٍ إلهيّ: “لأَنَّهُمْ يُرْحَمُونَ”. لا تعني هذه الكلمات أنّ أعمال الرّحمة تشتري الخلاص، فالكتاب واضح أنّ الله: “خَلَّصَنَا… لَا بِأَعْمَالِ بِرٍّ عَمِلْنَاهَا نَحْنُ، بَلْ بِمُقْتَضَى رَحْمَتِهِ”. بل تكشف ممارسة الرّحمة أنّ النّعمة غيّرت القلب، فهي ليست ثمن الخلاص، بل علامة اختبار رحمة الله.
ويعني الوعد أيضًا أنّهم سيُرحَمون من الآخرين. تذكّر القاعدة: يَرحَمون، فيُرحَمون! وهكذا تُكسر دائرة القسوة والانتقام. وعندما نرحم ضعف الآخرين، نختبر دفء الرّحمة في يوم ضعفنا. وقد أرسى يسوع القاعدة الذّهبيّة: “فَكُلُّ مَا تُرِيدُونَ أَنْ يَفْعَلَ النَّاسُ بِكُمُ افْعَلُوا هكَذَا أَنْتُمْ أَيْضًا بِهِمْ”.
ويتجاوز الوعد الحياة الحاضرة إلى الرّجاء الأبديّ: “مُنْتَظِرِينَ رَحْمَةَ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ لِلْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ”. فالرّحماء مميّزون في عيني الله الرّحوم. طوبى لهم، لأنّهم يعكسون رحمته، ويعيشون في ظلالها، وسيُكرمهم بفيض رحمته في الأبديّة.


