نحن في القرن الواحد والعشرين ونواجه أزماتٍ وتحدّياتٍ غير مسبوقة. وبينما نقف حائرين أمام هذه التّحدّيات نسأل: ما هي القواعد السّليمة الّتي من المفترض أن تحمي القائد في ظلّ التّناقضات الإجتماعيّة المختلفة وصعوبة مواجهتها في القانون والإعلام والسّياسة؟ ما الّذي يفعله القائد تجاه المطالبين بالحريّات بدون أيّ حـدود؟ وما هي الحدود الّتي يستطيع القائد أن يتحرّك ضمن نطاقها في معادلة الصح والخطأ؟
أرى أنّ المبادئ والقيَم الأخلاقيّة الواردة في الوصايا العشرة وتعاليم يسوع، وخاصّةً تلك الواردة في الموعظة على الجبل، هي القاعدة الأفضل للسّلوك السّليم أمام مطبّات القيادة وتحدّياتها. لخّص يسوع هذه القِيَم الأخلاقيّة “بمحبّة الله ومحبّة القريب كمحبّة النّفس”. ومن هذه الكلمات الموصوفة تنبثق كافّةً القواعد الأخلاقيّة الّتي ترفع النّاس إلى سموّ التّعامل مع الآخرين.
علّمَ يسوع في موعظته الشّهيرة على الجبل أصول التّعامل الأخلاقيّ مع القريب والغريب، مع الصّديق والعدوّ، مع الأفراد والجماعات على حــدٍّ ســـواء ولخّصها بما صار يُعرَف بالقاعدة الذهبيّة الّتي قال فيها: “كلّ ما تريدون أن يفعل الناس بكم افعلوا هكذا أنتم أيضًا بهِم”. يتبنّى القائد الفاضل هذه القاعدة في جميع علاقاته الاجتماعيّة والعائليّة ويأخذ قراراته ويقوم بخطواته بموجبها.
والسّؤال الّذي يطرح نفسه، ماذا لو فُقِدت هذه القاعدة والقيَم الأخلاقيّة من حياة القادة في المجتمع؟ ماذا تكون النّتيجة؟ إن فُقِدَت الأخلاق من حياة القادة لتجرّدوا من الحسّ الإنسانيّ ولصار الانسان عندهم مجرّد رقم، يتعاملون معه بدون أيّ مشاعر وكأنّه آلــةٌ أو جهازٌ جامد. وعندئذٍ تضيع رؤيا القيادة السّامية الّتي تهدف إلى بناء الانسان وتطوّره فكريًّا واجتماعيًّا وروحيًّا. وستيحوّل القائد تلقائيًّا إلى الأنانيّة وتحقيق المصالح الشّخصيّة الضيّقة الأمر الّذي سيقود الشّعب إلى التّمرّد والفوضى والفساد والخراب والهلاك. وهكذا يتمّ فيه ما قاله أحمد شوقي: “إنّما الأممُ الأخلاقُ ما بقيت، فإن ذهبت أخلاقهم ذهبوا”.
وقول شاعر العرب يتوافق بالتّمام مع ما سبق وقاله الحكيم سليمان الّذي كتب عن خبرةٍ طويلةٍ في القيادة والحكم “البرّ يرفع شأن الأمّة وعار الشّعوب الخطيّة”. إنّ تراجع منسوب الأخلاق الّتي علّمها يسوع في حياة القادة في المجتمعات والدّول المسيحيّة ساهم بتراجعها وبتحوّلها إلى بلدانٍ ومجتمعاتٍ وثنيّةٍ فاقدةٍ للقِيَم، جانحةٍ نحو الطّمع والإستعمار والحروب وتشريع الإنحرافات على أنواعها.
يخبرنا التّاريخ عن القادة والشّعوب الّذين بنوا الحصون حول مدنهم لحمايتها من هجوم الأعداء. وكلّنا يعرف أهميّة الحصون. إنّ أوّل حصنٍ يجب أن يبنيه القائد المسؤول هي حصن الأخلاق والقِيَم في حياته الشّخصيّة فيصير،عندئذٍ، قدوةً لناسه وهكذا يرفعهم إلى العُلى.

