وُلد كبريانوس من أسرةٍ شريفةٍ وثنيّةٍ في قرطاجة في شمال أفريقيا. لمّا بلغ سنّ الشّباب وكان قد حصّل وافرًا من علوم المنطق والفلسفة، ذاع صيته كمحامٍ وخطيبٍ فصيح، إلّا أنّه انغمس في الرّذيلة شأن معظم شباب عصره. اهتدى إلى المسيح واعتمد على يد كاهنٍ شيخٍ يُدعى سيسيليوس بقرطاجة، وكان ذلك حوالي سنة 246م. تغيُّر حياته الجذريّ كان لافتًا، فباع أغلب أملاكه ووزّعها على الفقراء والمساكين، مستبقيًا القليل منها لسدّ احتياجاته. ونذر حياة العفّة والبتوليّة مُكرّسًا مواهبه لخدمة ملكوت الله. وركّز على دراسة الكتاب المقدّس يوميًّا، واهتمّ بدراسة كتابات العلاّمة ترتليان الّذي تأثّر به كثيرًا.
على الرّغم من حداثة إيمانه، تميّز كبريانوس بكاريزما ومهارةٍ خطابيّةٍ وتفانٍ كبيرٍ ساعده في صعود سريع داخل المجتمع المسيحيّ، حتّى أنّه صار أسقفًا بدون أيّ تدرّج كهنوتيّ وكان ذلك حوالي العام 249 م. وكان انتخابه أسقفًا مثيرًا للجدل إذ اعتبره البعض مبتدئًا يفتقر إلى الخبرة والمعارف الكتابيّة.
لم تمضِ سنةٌ واحدةٌ على أسقفيّته حتّى هبّت عاصفةٌ شديدةٌ من الاضطّهاد أثارها الإمبراطور ديسيوس الّذي أصدر مرسومًا إمبراطوريًّا بالقضاء على المسيحيّة وكان ذلك سنة 250 م. وهو أوّل اضطّهادٍ شاملٍ عمَّ أنحاء الإمبراطوريّة الرومانيّة.
صارع كبريانوس يومذاك بين فكرتين، بين أن يُقدِم إلى ميدان الجهاد ليتمتّع بإكليل الشّهادة، أو أن يختبئ حتّى تمرّ عاصفةُ الإضطّهاد المرّة ليتمكّن من مساندة المسيحيّين وخدمتهم. ومن مخبأه كان يرعى شعبه كراعٍ صالِح. فقام بإرسال رسائلَ كثيرةٍ يُشدّد فيها المؤمنين في السّجون والمناجم. وكتب للخدّام والإكليروس يحثّهم على العناية بالمعترفين وعائلات الشّهداء ماديًّا ونفسيًّا وروحيًّا. كما كان يُرسِل ،ليلًا، أشخاصًا يقومون بدفن أجساد الشّهداء.
استمرّ الاضطّهاد لمدّة خمسة عشر شهرًا، طوال فترة حكم ديسيوس، الّذي عند موته استراحت الكنيسة وعاد كبريانوس إلى كرسيه. المؤسف أنّه في فترة الإضطّهاد تلك ارتّد الآلاف من المسيحيّين عن الإيمان مرتضين أن يحصلوا على شهادات زورٍ أعلنوا فيها أنّهم قدّموا ذبائح للآلهة الوثنيّة. وفي العام 251 م اجتمع أساقفة إفريقيا في مجمع قرطاجة ليدرسوا وضع الجاحدين العائدين إلى الكنيسة، وما إذا كانت المعموديّة الّتي تلقّوها من بعض الهراطقة تعتبر صالحة أم يجب إعادتها.
ترأّس يومذاك كبريانوس ذاك المجمع وكان موقفه حازمًا ومتوازنًا في آن. فهو لم يُسامح الّذين أنكروا المسيح بصورةٍ فوريّة، بل فرض عليهم فترةَ تَوْبةٍ طويلةً قبل أن تقبلهم الكنيسة في شركتها المقدّسة. كان هذا ليتأكّد من جِدّية توبتهم وليُحافظ على نقاء العقيدة ووحدة الكنيسة. وفي الوقت ذاته استمرّ في رعاية المؤمنين مُعزّزًا صبرهم أمام الاضطّهاد الّذي تجدّد في زمن الإمبراطور فاليريانوس (253م -260م). تمّ استدعاء كبريانوس أمام الحاكم، أسباسيوس باتيرنوس، وفُرِضَت عليه إقامةٌ قسريّةٌ في كوروبيس وفي العام التّالي، أعيد إلى قرطاجة حيث حُكِم عليه بالإعدام بقطع رأسه في 14 أيلول 258 م. وهكذا صار أوّل أسقفٍ شهيدٍ لأفريقيا.

