عند أولى ساعات الصّباح أتى الممرّض ليأخذني إلى غرفة العمليّات الجراحيّة. وبينما كنّا نعبر أروقة المستشفى النّاصِعة وعند دخولي غرفة العمليّات بهرني بياض الأنوار القويّ الهابط من السّقف وكاد يعمي بصيرتي.
كانت رحلةً إلى قلب المجهول، إلى عالم البنج والتّخدير والنّوم الإصطناعيّ، كما شرحوا لي قبل الجراحة. تأرجح ذهني بين عشرات الأفكار المتصارعة ولم أكن أدري بماذا أفكّر وكيف! أحسست أنّي كسجين قُبِضَ عليه ولا يقدر أن يفرّ من زنزانة الواقع حتّى يعود إلى الحريّة بعد نهاية الجراحة. وفي ثوانٍ معدودات، قبل أن ينال مني التّخدير، تسارعت وجوه عائلتي والأهل والأصدقاء أمامي، وكنت أذكر أنّهم وعدوني أنهم سيُصلّون من أجلي وتمنّيت أن لا ينسوني أو يغفلوا عن إتمام الوعد!
هنا فطنت أنّ عليّ تلاوة صلاتي أنا أيضًا. بدأت بصلاتي الصّامتة رغم أنّ الكلمات كانت تتلعثم إذ شعرت أنّي في عزلةٍ تامّة، رغم أنّي كنت محاطًا بالفريق الطبّي الّذي يعمل من حولي كخليّة نحل. رأيتهم يضبطون الأجهزة وخلت أنّي إنسان آليّ (سايبورغ) يعملون عليه. وفجأة وضعوا لي القناع وسمعت طبيب البنج يقول لي: “تصبح على خير!” وهنا، وفي أقلّ من لحظة، دخلت في سباتٍ عميق… لأعود وأستيقظ بعد الجراحة ظانًّا أنّ الوقت الّذي مرّ لم يكن سوى هنيهاتٌ قليلةٌ بينما الوقت الفعليّ كان ساعاتٍ طويلةً شاقّة…
وعند خروجي من غرفة العمليّات، وقد بدأت أستعيد وعيي عرفت أنّي تجاوزت حاجز الخوف الّذي صار خلفي. كنت أنظر إلى الضمّادات وأتساءل هل هذا يعدّ عذابًا وألمًا؟ ما عساي أقول أمام عذابات أيّوب النبيّ؟ وهل يحقّ لي أن أقارن عذاباتي بعذابات المسيح على درب الجلجلة وعند الصّليب؟
وإذ عاد إليّ صفاء ذهني غمرني سلامٌ عميقٌ وشعورٌ بالحضرة الإلهيّة وتذكّرت قول الرّبّ: “مباركًا تكون في دخولك ومباركًا تكون في خروجك”. وشكرت الله إذ كان معي ووقف إلى جانبي مُشرفًا على الطّاقم الطبّي والعمليّة الجراحيّة وهو القائل: “أنا الرّبّ شافيك… لا تخف لأنّي معك لا تتلفّت لأنّي إلهك قد أيّدتك وأعنتك وعضدتك بيمين برّي”.
يختبر آلاف المرضى التوتّر والخوف المجبول بالإيمان ومشاعر الرجاء عند الدّخول إلى غرفة العمليّات والخروج منها. وعلى الرّغم من الثّقة بالطُبّ والأطبّاء يشعر المرضى أنّهم يُقاربون الموت عند نومهم العميق تحت تأثير التّخدير القويّ. بالنّسبة إليّ، كان علمي اليقين أن حضور الرّبّ إلى جانبي سيُساعدني أن أعبر “وادي ظلّ الموت” لأعود وأستيقظ من هذه التّجربة الصّعبة وأتمتّع برؤية عائلتي مجدّدًا. المسألة تكمن في الحفاظ على يقين الشّعور بحضرة الله طويلًا بعد الخروج من المستشفى. هل بعد أن نُشفى نبقى نطلب وقوفه جنبنا؟

