الوقت صديقٌ لـِمَن يحترمه، فكلّ عاقلٍ يعي ثمن مرور الوقت، كما يسعى جاهدًا لاستغلال كلّ لحظة في العمل والانتاج. في المقابل، عقارب السّاعة تمسي عدوًّا قاتلًا لكلِّ مَن يستخفّ بتكّاتها أو يتجاهل أهميّة عددها، كما جاء في المثل عند العرب “الوقت كالسّيف إن لم تقطعه قطعك.”
ويتردّد قولٌ بين النّاس “مرَّ الوقت بسرعةٍ ولم أستطع أن أُنجِز عملي.” بينما الثّواني لم تغيِّر قطّ سرعتها، بل ما زالت ثابتة بدون أيّ خلل. وبالتّالي، إيقاع العامل يختلف في تتميم مهمّته في العمل، حيث يمكنه تحقيق هدفه بتوقيت يتماشى مع مرور الوقت أو لا.
زد على ذلك ما جاء في المثل الصّيني، “الوقت مثل السّهم، إذا مضى لا يعود”، يا لها من صورةٍ معبِّرةٍ عن عدم إمكانيّة الإنسان من استرجاع ما مرّ. لأنّ الفرص الّتي تأتي مرّة لا تتكرّر، فإمّا الاستفادة منها في أوانها وإمّا ضياعها.
مثال على ذلك، مايا، الفتاة المجتهدة، الّتي نالت علامة جيّد جدًّا في أطروحة الدّكتوراه في علم البيانات. فهي كانت تحلم بالعمل مع الفريق الّذي تدّرّبت معه عن بُعد، وقرّرت تقديم ملّفها ريثما تستطيع أن تحظى بالوظيفة الـمناسبة. غير أنّ انشغالها بتقبّل التّهاني، دفعها إلى تأجيل إعداد أوراقها. وبعد وقتٍ، وحين ضغطت على الرّابط لتحميل ملفّها، ظهرت رسالةٌ أمام الشّاشة “لقد أُقفل الرّابط لانتهاء المدّة الـمُتاحة.” بالفعل، لقد فاتها تاريخ انتهاء تقديم الطّلبات. فما لم تكن تعيره اهتمامها أفقدها تحقيق حلمها. ونتيجةً لذلك، خسرت الفرصة، فحصدت الحسرة والنّدم. ولو أيقنت بأنَّ “الوقت من ذهب” لما تهاونت.
فحريٌّ بكلِّ إنسان فطِن أن يُرَتِّب أولويّاته بحسب درجة أهميّتها وتوقيتها، كما يعلّمنا سليمان الحكيم في سفر الجامعة “لِكُلِّ شَيْءٍ زَمَانٌ وَلِكُلِّ أَمْرٍ تَحْتَ السَّمَاوَاتِ وَقْتٌ”. وعلى سبيل استغلال الوقت بأفضل طرق، يمكن التّعرّف إلى تقنيّات حديثة لإدارة الوقت، أذكر تقنيّة أيزنـهاور أو مصفوفة المهمّ والعاجل Urgent-Important Matrix الّتي ابتكرها الرئيس الأمريكي دوايت دي أيزنهاور، ومن المعروف أنّه كان قادرًا على إدارة مهامه الكثيرة بكفاءة. وتُعتَبَر أداة عملية لتحديد الأولويّات عبر تقسيم المهام إلى أربعة أقسام: عاجلةٌ ومُهمّة، مُهمّةٌ وغير عاجلة، عاجلةٌ وغير مهمّة، وغير عاجلةٍ وغير مهمّة. ونتيجةً لكونها تركّز على الإنتاجيّة والتّوازن بين العمل والحياة، يُدير المرء وقته بذكاءٍ فيُنجز مهامَّه بتراتبيّةٍ وسلاسةٍ ونجاح.
ولا بدَّ أن أذكر منير الّذي لم يستطع يومًا أن ينسى صديقه جميل كيف كان يلحّ عليه ليأخذه معه إلى الكنيسة. ولكنّ جميل لم يعطِ نفسه فرصةً لسماع كلمة الرّبّ، إذ كان فور جلوسه على الكرسيّ داخل القاعة، يدخل في سباتٍ عميق. مرّت سنتان على هذه الحال. وفي نهاية العام الثّاني توفّي جميل ولم يستفد من قصده الكنيسة ولا من رفقة منير.
من أجل ذلك، يحثّ بولس الرّسول النّاس في رسالته إلى أهل أفسس “مفتدين الوقت لأنّ الأيّام شرّيرة”. فمن واجب كلّ شخص أن ينتهز الفرص المتاحة له والاستفادة منها لأنّ الأيّام مليئةٌ بالشّرور.

