يقول الحكيم سليمان قديمًا إنّ “نهايةُ أمرٍ خيرٌ من بدايتِه”. تبدو هذه العبارة للوهلة الأولى مناقضة لطبيعتنا البشريّة؛ فنحن كائناتٌ تعشق كلّ جديد. نُسحَر بلمعان السيّارة في يومها الأوّل، وبحماسة الانطلاقة في مشروع جديد، وبشرارة الإعجاب في بداية كلّ علاقة. لكنّنا بمرور الوقت، نكتشف أنّ الحياة في جوهرها ليست “احتفاليّة افتتاح”، بل هي ورشة صيانة لا تتوقّف.
الحقيقة الّتي قد تبدو قاسيةً هي أنّ العالم لا يتحسّن من تلقاء نفسه. على عكس ما تروّج له بعض الفلسفات عن التّطوّر التّلقائيّ، فإنّ كلّ شيءٍ في هذا الكون يميل نحو الذّبول إذا تُرك لشأنه. الحديقة لا تقتلع أشواكها وحدها، وجدران المنزل لا ترمّم تصدّعاتها ذاتيًّا، وحتّى أجسادنا تحتاج إلى رعاية حثيثة لتبقى واقفة. هذا القانون الفيزيائيّ يسري بدقّةٍ مذهلةٍ على عالمنا الرّوحيّ والنّفسيّ أيضاً؛ فالعلاقات الإنسانيّة، والصّلة مع الله، والقيم الّتي نؤمن بها، كّلها معرضة للتآكل والصّدأ إذا غفلنا عنها.
في هذا السّياق، لا يعود الكتاب المقدّس مجرّد كتابٍ تاريخيّ، بل يتحوّل إلى “دليل صيانة” يوميّ يحمينا من الّتدهور. ومن هنا تبرز أهميّة الاستمراريّة؛ فالقراءة في كلمة الله ليست تحصيلاً لمعلومات نعرفها مسبقاً، بل هي “قوت” متجدّد. نحن لا نملّ من تناول الخبز يومياً لأنّنا أكلناه بالأمس، وكذلك الرّوح، تحتاج إلى غذاءٍ متكرّرٍ لتظلّ حيويّةً ومنظّمةً وسط فوضى العالم. إنّ السّلوك القويم ليس سوى الثّمرة الطبيعيّة لعقلٍ ينشغل باستمرارٍ بالتّعليم الرّوحيّ الرّصين.
هذه الاستمراريّة تمتدّ لتشمل صلتنا بالسّماء عبر الصّلاة، الّتي هي في جوهرها شكرٌ وتواصلٌ يمنع الرّوح من الإفلاس والهزيمة. ومنها ننتقل إلى المكوّن الأكثر حيويّة في محرّك حياتنا: “المحبّة”. فمن المآسي الّتي نراها يومياً هي العلاقات الّتي تحوّلت إلى جثثٍ هامدة، ليس لنقص في الإمكانيّات، بل لأنّ أطرافها توقّفوا عن “الاستمرار” في بذل الجهد. “لتثبت المحبّة الأخويّة” ليست مجرّد نصيحة، بل هي أمرٌ بالبقاء على قيد الحياة.
إنّ رحلة الإيمان هي سباقُ مسافاتٍ طويلة، والعدّاء الخبير يعرف أنّ اللحظة الّتي يشتدّ فيها التّعب هي اللحظة الّتي تتطلّب “الدّفعة” الأقوى. إبراهيم، موسى، بولس، والربّ يسوع نفسه، لم يصلوا إلى خطّ النّهاية لأنّ الطّريق كان سهلاً، بل لأنّهم رفضوا الاستسلام في منتصفه. نحن اليوم مدينون في إيماننا لأولئك الّذين قرّروا ألّا ينسحبوا حين تعبت أقدامهم.
إنّها دعوةٌ لكلّ واحدٍ منّا، وسط ضجيج “السّوشيال ميديا” وسرعة الحياة، أن يتوقّف قليلاً ليرمّم ما تداعى، ويلمّع ما شحب، ويواصل المسير. فالجمال ليس في كيف بدأنا، بل في كيف سنستمرّ لنصل إلى نهاية تليق بقدسيّة الرّحلة.

