تُبنى العلاقات الاجتماعيّة بانسجام الرّؤى وبـمشاركة الأفكار. ثمّ تنشأ عواطف مودّة نبيلة توطّد روابط الألفة فتؤدّي إلى الصّداقة. وفي بعض الأحيان، قد يفكّر الشّاب بطلب صديقته للزّواج.
ولا شكّ أنّ حياة الإنسان الّتي تمرّ بمتقلّبات مزاجيّة تُكوِّن شخصيّته. حيث تتأرجح بحركة نزوح وجدانيّ، كثيرًا ما يصعب العودة منه، المقصود بذلك أنّ كلمة واحدة تكفي لتحدّد مزاجه خلال يومٍ بأكمله. هكذا، فإنَّ مشاعر الإنسان هشّة، تُشبِه كومةً من القشّ تتلاعب بها ألطف النّسمات. وبحسب نوعيّة العواطف المختبرة تتكوّن شخصيّة الانسان.
وربّ قائلٍ: “الكلمات الطّيّبة يمكنها أن تُحيي القلوب، بينما الكلمات الجارحة قد تقتلها.” فالكلام المؤذي يترك أثرًا في نفس الإنسان يصعب الشّفاء منه في وقتٍ قصير. إذ يحتاج المجروح نفسيًّا لكمٍّ مضاعَف من الكلام الطّيّب لإصلاح إحساسه.
وكم تحلو معاشرة شخصٍ شذّبته صعاب الدّنيا. فتُمسي نفسه حاضنةً لآلام كلِّ مَن صادَفَه والتقى به، ويُصبح ملجأً يُقصَد في شتّى الظّروف.
ولكن في أحيانٍ أُخَر، تنحت الظّروف الصّعبة شخصًا قاسيًا يصعب العيش معه. بمعنى آخر، يحمل نقمة في كيانه تشحنه بكلّ أنواع القساوة ليظلم ويقهَر كلّ امرئٍ احتكَّ به. فهو لا يستطيع قضاء يومه بدون رؤية آثار الحزن في وجه مَن صبَّ عليه جام جَوْرِه.
من هنا نفهم ما حصل في زواج هبة الّتي كتمت مشاكلها عن ذويها. فقد حاولت إخفاء تعاستها ببسمةٍ ما فارَقَت وجهها رغم واقعها الأليم، ونجحت برسم صورةٍ سعيدةٍ لحياتها أمام كلّ معارفها.
وما لم يكن بالحسبان، حدث. ففي ليلةٍ خريفيّة، وكالمعتاد، اتّصل والد هبة بابنته ليطمئنّ عن حالها وحال ابنتها. إلّا أنّه سمع ما لم يتوقّعه. كان سامي، زوج هبة، يصرخ ويشتم غير مبالٍ ببكاء طفلته ذات الثلاث سنوات، أو بما سيسمعه المتّصل بالهاتف. غير أنّ والد هبة أسرع وطلب منها الاستعداد لأنّه آتٍ لاصطحابها ونجدتها من جنون زوجها. وهكذا حصل.
ولكن، لم يُعطِ سامي أهميّةً للـموضوع. بل لم يتكلَّف الاتّصال بزوجته أو بأحدٍ من أفراد عائلتها خلال إقامتها في منزل أهلها. وبقي على هذه الحال مدّة تجاوزت السّنة. وعلاوةً على ذلك، فقد كان يردّد أمام أصحابه بأنّها ستتوسّل العودة إليه، ممّا زاد تعاليه شموخًا وإصرارًا لإذلالها.
ولكن، وبخلاف ما تصوّره، رفعت هبة دعوى لإبطال الزّواج.
وبناءً على ذلك، خاضت قضيّة الطّلاق جولات عدّة. ولكن، في آخر مرحلة من المحاكمة، وحين شارفت المحكمة على إبرام الحكم لمصلحة هبة، أشاع سامي خبر مصالحته مع زوجته، فوصلت الشّائعة لمكتب المحامي، ممّا دفعه للاتّصال بموكّلته مستغربًا.
أمّا هبة فلم تتفاجأ، فلطالما عانت من زوجٍ مخادِعٍ مجبولٍ بالبُخل والكذب والخداع. عندئذٍ اندفع المحامي لاستكمال القضيّة واضعًا نُصب عينيه مهمّة تخليص أمٍّ وابنتها من رجلٍ ظالمٍ وحقودٍ لم يعرف أن يُحبّ زوجته كما أحبّ المسيح الكنيسة. يقول بولس الرسول: “كَذلِكَ يَجِبُ عَلَى الرِّجَالِ أَنْ يُحِبُّوا نِسَاءَهُمْ كَأَجْسَادِهِمْ. مَنْ يُحِبُّ امْرَأَتَهُ يُحِبُّ نَفْسَهُ. فَإِنَّهُ لَمْ يُبْغِضْ أَحَدٌ جَسَدَهُ قَطُّ، بَلْ يَقُوتُهُ وَيُرَبِّيهِ”.
أمّا الزّواج، وفق الكتاب المقدّس، فهو اتّحاد مقدّس يلتزم الزّوجان فيه بعهد لمدى الحياة. إذا لم يتبادلا فيه الحبّ والاحترام والكرامة والوفاء، وإن نقض أحدهما هذا العهد واستمرّ بسلوك دربه الخاطئ، فلا بدّ ستخرب العلاقة وينحلّ الزّواج لا محالة.

