يُثير دهشتي ذلك الضّجيج الّذي يرافق بعض أعمال الخير على منصّات التّواصل الاجتماعيّ، حيث تسبق العدساتُ الأياديَ الممدودة بالعطاء. وأتساءل بصدق: ما الدّافع وراء هذا الإشهار؟ هل هو ممارسةٌ لشفافيّةٍ تُوثّق المصداقيّة أمام المانحين؟ أم رغبةٌ في تشجيع الآخرين على الإحسان؟ هل هي محاولة لترسيخ الرّوح الوطنيّة في زمن الانقسامات الطائفيّة؟ أم أنّها نزعٌة دفينةٌ في قلوبٍ عطشى للاعتبار والتّقدير، أو محاولةٌ لتبييض السّمعة واستغلال وجع النّاس كمنصّةٍ لتحقيق مكاسب شخصيّةٍ أو سياسيّة؟ وهل وصل الأمر ببعضهم لاتّخاذ الإحسان ستارًا لتبييض الأموال والتّعمية على مصادرها المشبوهة؟ وأخيرًا، هل سقطنا جميعًا في فخّ توثيق اللحظة لتحريك الخوارزميّات بحثًا عن زيادة نسبة التّفاعل؟
وأمام هذا التّخبّط بين النّوايا والظّواهر، تضعنا تعاليم المسيح وجهاً لوجه مع جوهر العطاء، محذّرةً من تحويل الإحسان إلى عرضٍ مسرحي:
“اِحْتَرِزُوا مِنْ أَنْ تَصْنَعُوا صَدَقَتَكُمْ قُدَّامَ النَّاسِ لِكَيْ يَنْظُرُوكُمْ، وَإِلاَّ فَلَيْسَ لَكُمْ أَجْرٌ عِنْدَ أَبِيكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ. فَمَتَى صَنَعْتَ صَدَقَةً فَلاَ تُصَوِّتْ قُدَّامَكَ بِالْبُوقِ، كَمَا يَفْعَلُ الْمُرَاؤُونَ فِي الْمَجَامِعِ وَفِي الأَزِقَّةِ، لِكَيْ يُمَجَّدُوا مِنَ النَّاسِ. اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُمْ قَدِ اسْتَوْفَوْا أَجْرَهُمْ! وَأَمَّا أَنْتَ فَمَتَى صَنَعْتَ صَدَقَةً فَلاَ تُعَرِّفْ شِمَالَكَ مَا تَفْعَلُ يَمِينُكَ، لِكَيْ تَكُونَ صَدَقَتُكَ فِي الْخَفَاءِ. فَأَبُوكَ الَّذِي يَرَى فِي الْخَفَاءِ هُوَ يُجَازِيكَ عَلاَنِيَةً.” (مت 6: 1-4).
إنّ تعاليم يسوع حول أعمال الصّدقة لا تحتاج لبيانٍ أو تأويل، فهي جليّة كوضوح الشّمس. والمسيح في جوهر تعليمه لا يرمي إلى إثنائنا عن فعل الخير، بل يدعونا لنكثر منه بشرط أن يكون ذلك بأداءٍ متحفّظ، لا يهدف سوى لتمجيد الآب السّماويّ.

