تُشكل الإسخاتولوجيا (علم الأخرويات) شغفًا رافق تكويني الرّوحيّ والفكريّ منذ حداثتي، إذ طالما شغلتني محطّاتٌ مصيريّةٌ كأحداث نهاية الزّمان، وعودة المسيح، والقيامة العامّة، والملكوت الأبديّ. ومع متابعتي اليوميّة للصّحافة والكتاب المقدّس منذ عقود، ألاحظ بأسفٍ خطورة ما يطرحه بعض الوعّاظ في أمريكا وغيرها اليوم من توظيفٍ سطحيّ لنصوص نبويّة (كحزقيال 38 والرّؤيا 16) لتفسير الحروب الجارية في الشّرق الأوسط وتأويل أحداثها كأنّها دافعٌ لتعجيل النّهاية. ومن هنا، فإنّني أرفض ما يُعرف بـ “لاهوت الجريدة” والتّفسيرات الإعلاميّة الموجّهة، وأطرح السّؤال الجوهريّ الّذي يشغلني: هل يستطيع الإنسان تسريع أحداث نهاية الزّمان أو إجبار يد الله على التّدخُّل عبر تحرّكاتٍ سياسيّةٍ أو عسكريّة؟
ثوابت كتابيّة في وجه فوضى التّفسير
للإجابة عن خطورة المقاربات المعاصرة الّتي تسعى لربط النّبوّات بالمشهد السّياسيّ المتغيّر، أستند في فهمي الأُخرويّ مباشرةً إلى النصّ الكتابيّ، لأصوغ قناعتي المبنيّة على ثلاثة ثوابت أساسيّة تنفي أوهام التّوجيه البشريّ للتّاريخ:
التّاريخ مسارٌ إلهيّ موجَّه نحو غايةٍ محدَّدة: يُقدّم الإعلان الكتابيّ الزّمن كتاريخ ٍخطّي (Linear History) يبدأ بـ “في البدء” وينطلق بثباتٍ نحو غايةٍ إلهيّةٍ محدّدة في المستقبل، رافضًا الدّورات اللامتناهية للتّاريخ أو مقولات “نهاية التّاريخ” لفرانسيس فوكوياما، وتنبّؤات أفول الثّقافة والدّيمقراطيّة. فالتّاريخ لا يمضي نحو دمارٍ عبثيّ، بل يسير وفق قصدٍ إلهيّ واضحٍ لتتميم مجده الأبديّ، حيث يبقى الله وحده السيّد والموجّه لدفّة الأحداث من البداية حتّى النّهاية.
المسيح ربُّ التّاريخ ومحوره: أؤكّد أنّ يسوع المسيح هو وحده محور النّبوّة وربّ التّاريخ. وكما تحقّقت نبوّات مجيئه الأوّل بدقّة، ستتحقّق حتمًا نبوّات مجيئه الثّاني. وهذا يدعونا للتّواضع، ورفض ادّعاءات “العرافة الدّينيّة” ومحاولات استعجال المقاصد الإلهيّة. فالمسيح يأتي بغتةً “كلصّ في الليل”، مما يفرض علينا سهرًا أخلاقيًّا وروحيًّا بدلاً من وضع الجداول الزّمنيّة، فقد أخفق كلّ من تجرّأ على تحديد مواعيد لعودته.
التّوقيت بيد الله لا بأوهام البشر: إنّ تفاصيل أواخر الدّهور تقع حصريًّا ضمن سلطان الله وعلمه. ورغم أنّني ألاحظ تصاعدًا في “الوعي الأخرويّ” كما وصفه الفيلسوف إريك فويغلين بسبب الخوف الوجوديّ، إلّا أنّني أؤكّد أنّ النّبوّة تتكشّف وفق التّوقيت الإلهيّ لا التّوهّمات والرّغبات البشريّة، كما جاء في سفر حبقوق: “لأَنَّ الرُّؤْيَا بَعْدُ إِلَى الْمِيعَادِ، وَفِي النِّهَايَةِ تَتَكَلَّمُ وَلاَ تَكْذِبُ. إِنْ تَوَانَتْ فَانْتَظِرْهَا لأَنَّهَا سَتَأْتِي إِتْيَانًا وَلاَ تَكْذِبُ.”
من استغلال النّبوّة إلى الانتظار السّاهر
إنّني أحذّر شديد التّحذير من خطورة ربط الحروب الحاليّة بمحاولات تعجيل النّبوّات، فهذه المساعي المعاصرة لاستحضار الملكوت عبر أدواتٍ جيوسياسيّةٍ تهدف، بحسب تعبير اللاهوتيّ والمفكّر الأمريكيّ راسل مور، إلى “إجبار يد الله” (Forcing God’s Hand) على التّدخُّل، وهو مسعى يتغاضى عن العدالة وصنع السّلام ومعاناة الأبرياء من أجل تحقيق ما يظنّه نبوّة تُعجّل بأحداث الآخرة.
وفي المقابل، أؤكّد أنّ الملكوت قد افتُتح بالفعل وتدشّن تاريخيًّا مع المسيح وبقيامته وصعوده. فهو حاضر بيننا اليوم ويعمل في قلوب المؤمنين وحياتهم، لكنّه لم يكتمل بعدُ في ملئه، بل يتكشّف تدريجيًّا عبر التّاريخ حتّى يتحقّق بالكامل عند عودة المسيح الثّانية. ولذلك، فإنّ تجاهل هذا المفهوم يمثّل مخاطرةً روحيّةً تُضعف روح السّهر والترقّب الرّوحيّ.
في الختام، أخلص إلى أنّ النّبوّات لم تُعطَ لإشباع فضولنا، أو تبرير الحروب، أو خدمة الأجندات السّياسيّة، بل لتستحثّنا على القداسة، والسّهر الرّوحيّ، والكرازة بالإنجيل، لنكون أتباعًا أمناء يعيشون أخلاق الملكوت المفتتح في الزّمن الحاضر منتظرين اكتماله الأخير وتحقّقه الصّادق عند رجوع المسيح.
ونظلّ نذكر وعده الأمين: “نَعَمْ! أَنَا آتِي سَرِيعًا”، ونُردّد مع كنيسته عبر العصور: “آمِينَ. تَعَالَ أَيُّهَا الرَّبُّ يَسُوعُ”.
*تُلخّص هذه المقالة محاضرةً ألقاها الكاتب خلال ندوةٍ في كليّة اللاهوت للشّرق الأدنى في بيروت، في 7 أيّار 2026

