لطالما حلمتُ أن يكبر ابني البكر، وأن يعمل معي يدًا بيد، وأن يرث المكتب الهندسيّ الّذي بنيتُه بعرق جبيني، وأن يبقى قريبًا منّي في لبنان. لم أكن أعرف، وأنا أرسم هذا الحلم في رأسي منذ كان طفلًا، أنّني كنت أرسم مستقبله بيدي، لا بيد الله.
كان ابني شغوفًا منذ صغره بالشّعر والأدب وتاريخ الحضارات، مأخوذًا بجمال الأبنية العتيقة وأسرارها. أراد أن يدرس فنّ العمارة، وأن يمضي حياته بين الحجارة القديمة الّتي تروي حكايات الأمم. لكنّني رفضت خياره. أصررتُ أن يدرس هندسة الاتّصالات، لأنّها، في ذهني، “تُكمّل عملي”، ولأنّني أردته أن يبقى إلى جانبي. أطعتُ صوت رغبتي، لا صوت مواهبه.
وأطاعني هو. درس ما طلبتُ، لا لأنّه اقتنع، بل ليرضيني. وربما ظننتُ يومها أنّني انتصرت.
لكنّ الحياة كتبت فصلًا لم أتوقّعه. اليوم، وبعد خمسة عشر عامًا، يعيش ابني في ألمانيا، بعيدًا عن لبنان الّذي أردته أن يبقى فيه. وشغفه الحقيقيّ، التّصوير والفنّ، ما زال حيًّا فيه، لكن كهواية على هامش حياة اختار فيها، أخيرًا، طريقه.
كثيرًا ما أتساءل: لو تركتُه يدرس ما أحبّ، هل كان سيبقى في وطنه؟ لا أعرف الجواب. لكنّني أعرف أنّني، في محاولتي أن أُبقيه قريبًا، ربّما دفعتُه إلى الابتعاد.
هنا وجدتُ نفسي أراجع آيةً كتابيّةً لطالما فهمتها بشكلٍ خاطئ: “رَبِّ الْوَلَدَ فِي طَرِيقِهِ، فَمَتَى شَاخَ أَيْضًا لاَ يَحِيدُ عَنْهُ”. كنت أظنّ أنّها تعني: “طريقي أنا”. لكنّ النّصّ يقول: “طريقه هو”؛ أي وفقًا لطبيعته ومواهبه وشخصيّته الفريدة الّتي خلقه الله فيها، لا وفق الطّريق الّذي رسمته أنا له. أنا لم أُربّه في طريقه، بل في طريقي.
فكّرتُ أيضًا في يعقوب، الّذي فضّل يوسف وحاول أن يحميه ويوجّهه، لكنّ الله كانت له خطةٌ أوسع من كلّ ما تخيّله يعقوب لابنه. اقتضت هذه الخطّة أن يمرّ يوسف بوادي المعاناة، من غيرة إخوته وظلم السّجن، وصولًا إلى حكم مصر. وهكذا وصل يوسف في النّهاية إلى مكان لم يكن الأب ليختاره له، لكنّه كان المكان الّذي أعدّه الله له.
اليوم، لا أملك أن أُعيد الزمن إلى الوراء. أملك أن أصلّي بصدقٍ أكبر لابني: يا ربّ، احفظ ابني حيث هو، واجعل الطّريق الّذي اختاره، أو الّذي دفعتُه أنا إليه، طريقًا يلتقي فيه بك، حتّى لو لم ألتقِ به أنا كما تمنّيت.
صحيح أن مسؤوليّتنا كأهلٍ هي أن نُربّي أولادنا على الإيمان بالله، وضمن إطار الحقّ والاستقامة الأخلاقيّة، حتّى تصير هذه المبادئ جزءًا منهم، وتهدي خطواتهم في الحياة. لكنّ مسؤوليّتنا ليست أن نرسم لهم الطّريق الّذي نريده نحن، بل أن نساعدهم على اكتشاف الطّريق الّذي وهبهم الله القدرة على أن يسلكوه، وأن نترك لهم أن يشقّوه ويختبروا بركة الله فيه.
ربّما تجعل هذه الكلمات القليلة كلّ أب وأمّ يسأل نفسه: هل أحمل حلمًا لابني أو ابنتي وأريد فرضه عليهما؟ أم أستطيع أن أترك لهما مساحةً ليشقّا طريقهما، ويختبرا في الحياة قيمة المبادئ الّتي تعلّماها في البيت، فتكون لهما هُدًى طوال العمر؟
فالتّربية ليست أن نرسم لأولادنا الطّريق الّذي نريده، ولا أن نعيش حياتهم بدلًا منهم، بل أن نُعطيهم ما يحتاجون إليه ليسلكوا طرقهم في نور الله.

