يعتبر العلاّمة ترتليان أب علم اللاهوت في الكنيسة اللاتينيّة، من حيث فضله على تقدّم المصطلحات اللاهوتيّة، وهو أحد الآباء المدافعين المسيحيّين اللاتينيّين الأوائل في القرن الثّاني. وقد كان لترتليان دورٌ رئيسيٌّ في انتقال الكنيسة من أقليّة مضطَّهدة لتصبح ذات تأثير ٍكبيرٍ في المجتمع الرّومانيّ.
ولد في قرطاجة في أفريقيا (الآن في تونس) في جوّ وثنيٍّ مستهترٍ وفاسد. كان والده يشغل منصب قائد فرقة رومانيّة في أفريقيا. وقد عاش حياةً متفلّتةً قبل توبته وإيمانه بالمسيح وهو في الثّلاثين من عمره. تلقّى ترتليان تعليمًا استثنائيًا في القواعد والبلاغة والأدب والفلسفة والقانون. وبعد إيمانه حوّل كلّ طاقات معرفته وقدراته وفصاحته لخدمة المسيح والكنيسة. وانصرف إلى مجادلة مقاومي الإيمان المسيحيّ من وثنيّين ويهود وهراطقة بغيرةٍ شديدة. وفي أثناء وجوده في روما، أُعجب ببعض المواقف والمعتقدات المسيحيّة: كشجاعة الشّهداء وعزمهم، والصّرامة الأخلاقيّة، والإيمان، الّذي لا هوادة فيه، بإلهٍ واحد.
وربّما يكون أكبر سبب لشهرته إعطاؤه أوّل شرحٍ للعقيدة المسيحيّة، واطلاقه عبارتَي “العهد القديم” و”العهد الجديد” على الأسفار المقدّسة. وابتكر ترتليان مفاهيم لاهوتيّةً جديدةً وطوّر عقيدة الكنيسة الأولى. وهو أوّل كاتب باللاتينيّة يستخدم مصطلح “الثّالوث” في كتابه “ضدّ بركسياس” ردًّا على هرطقة حول اللاهوت. وعن الآب والابن والرّوح القدس قال: “هؤلاء الثّلاثة جوهرٌ واحد، وليسوا شخصًا واحدًا”.
كما كان أوّل كاتب يستخدم كلمة “كنيسة” لوصف مبنى مُعيّن، بدلًا من مصطلح “النّاس المجتمعين”. وأوضح ترتليان إنّه يجب أن يكون التّقليد مدعومًا بالكتاب المقدّس حتّى يكون له أيّ قيمة.
كما كتب أوّل كتاب مسيحيّ عن المعموديّة. وقد كان يشدّد على عدم تعميد الأطفال لأنّهم لم يبلغوا السنّ الكافي للتّوبة والإيمان. تزخر أعماله بالعبارات الجذّابة الّتي لا تُنسى، والأقوال الجريئة والسّاخرة، والذكيّة، والمأثورة البارعة ومنها “المسيحيّ لا يولد مسيحيًّا بل يُصيّر مسيحيًّا”. و”دم الشّهداء بذور الكنيسة”. أصبحت هذه المقولة شعاراً لصمود المسيحيّين في وجه الاضطّهاد عبر العصور. وعبارته المشهورة: “ما لِأثينا والقدس؟” والّتي قصد فيها أن يفصل بين الفلسفة اليونانيّة (أثينا) والإيمان المسيحيّ (القدس).
كتب أعمالًا دفاعًا عن الإيمان وأطروحات حول المشكلات اللاهوتيّة “ضدّ” معارضين محدّدين: (1) “ضدّ مرقيون”، وهو مهرطق أناضوليّ كان يَعتقد أنّ العالم خُلق من قِبل إله اليهود الشرّير. (2) “ضدّ هيرموجينيس” الرسّام القرطاجيّ الّذي ادّعى أنّ الله خَلق العالم من مادّةٍ موجودةٍ مُسبقًا. (3) “ضدّ ڤالنتينوس” وهو إسكندريّ من المذهب “الغنوصيّ”.
وله في الدّفاع عن الاستشهاد رسالةٌ دعاها “ترياق ضدّ لدغة العقرب” وقد كتبها لتحذير المسيحيّين من سمّ الغنوصيّة ولتشجيعهم على الثّبات في وجه الاضطّهاد. وحضّ على الصّبر على الاضطّهاد ومواجهة الإستشهاد بشجاعةٍ في رسالةٍ دعاها “إلى الشّهداء”. وبالإضافة إلى الأعمال الدّفاعيّة والجدليّة، كتب حول القضايا الأخلاقيّة الّتي تواجه المسيحيّين في عصره.
وفي وقت ما قبل عام 210 م غادر ترتليان الكنيسة الأرثوذكسيّة للانضمام إلى حركةٍ طائفيّةٍ جديدة تُعرف باسم “المونتانيّة” والّتي انتشرت من آسيا الصّغرى إلى إفريقيا. كان استياء ترتليان من تراخي المسيحيّين المعاصرين متجانسًا مع الرّسالة المونتانيّة عن النّهاية الوشيكة للعالم جنبًا إلى جنب مع الأخلاق الصّارمة والمتطلّبة. ولا نعرف إن كان قد رجع إلى الكنيسة الجامعة مرّةً أخرى قبل وفاته أم لا. تركه للكنيسة الجامعة وانضمامه إلى المونتانيّة جعل معظم المسيحيّين لا يغفرون له أبدًا لكنّ الإحترام له تنامى من قِبل كثيرٍ من الباحثين الجديّين الّذين قدّروا اسهاماته الخالدة.

