“أَمْ لَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ جَسَدَكُمْ هُوَ هَيْكَلٌ لِلرُّوحِ الْقُدُسِ الَّذِي فِيكُمُ. لأَنَّكُمْ قَدِ اشْتُرِيتُمْ بِثَمَنٍ. فَمَجِّدُوا اللهَ فِي أَجْسَادِكُمْ وَفِي أَرْوَاحِكُمُ الَّتِي هِيَ للهِ”. (1 كورنثوس 6: 19-20).
إنّ كلمات الوحي هذه هي الأساس اللاهوتي لاعتبار العناية بالصحّة والرّياضة جزءًا من الأمانة تجاه العطيّة الإلهيّة.
منذ طفولتي، راودني هاجس تطوير قوّتي الجسديّة نظرًا لضعف بنيتي حينئذٍ، ورافق ذلك شغفٌ عميقٌ بمعرفة الذّات والاطّلاع على نظريّات الفلاسفة. حاولت مرارًا الانتساب لأندية كمال الأجسام، لكنّني كنت أصطدم دائمًا بشعورٍ قاتلٍ بالملل.
قادتني الصّدفة للتعرّف إلى مدرّبٍ لفنون الدّفاع عن النّفس. أبهرتني معرفته وقوّته. لكن ما جذبني حقًّا هو منهجه في تطوير القدرات الحركيّة بالتّوازي مع مبادئ أخلاقيّة تُروّج لفلسفة اللاعنف، والعيش المسالم، والدّفاع عن الضّعيف. وجدتُ لديه ضالّتي في تمارين التّحكّم بالغضب والخوف وردّات الفعل الغرائزيّة الّتي كنت أعاني منها.
مع السّنوات، تحوّلت هذه الصّدفة إلى طريقة حياة تجمع بين الإحساس الرّقيق والقوّة، ويربط الجسد والمشاعر والعقل والرّوح في تجربةٍ متكاملةٍ صارت لي “المساحة الثّالثة”. صاغ هذا المصطلح عالم الإجتماع “راي أولدنبرغ” الّذي اعتبر أنّ لكلّ إنسان ثلاثة أماكن: البيت، العمل، والفضاء الإجتماعيّ الّذي يذهب إليه للإسترخاء أو لتبادل الأفكار أو اللقاء بالنّاس. أمّا بالنّسبة إليّ، فصارت هذه الأندية “مساحتي الثّالثة” والنّسخة المصغّرة من الحياة؛ حيث صُقلت شخصيّتي ضمن فريقي الرّياضيّ وتحت ضغط المنافسة.
ومن خلال تجربتي، لخّصت خصائص هذه المساحة في ثلاثة أبعاد:
البعد الأوّل: الحيويّة البدنيّة. حيث غرست فيّ الأندية الرياضيّة عادات صحيّة ووفّرت لي التزامًا جماعيًّا دفعني إلى تجاوز حدودي البدنيّة بعيدًا عن همّ تضخيم العضلات.
البعد الثّاني: المرونة العاطفيّة. تعلّمت في النّادي كيف أتعامل مع نشوة النّصر ومرارة الهزيمة، فأحسنت التعامل مع ضغوط حياتي اليوميّة ونجاحات عملي أو إخفاقاته. وإذ وصلت اليوم إلى مرحلة التّقاعد أذكر ما قاله بولس الرّسول مستعيرًا من حلبات الرّياضة ليصف جهاده الرّوحيّ، فقال: ”قَدْ جَاهَدْتُ الْجِهَادَ الْحَسَنَ، أَكْمَلْتُ السَّعْيَ، حَفِظْتُ الإِيمَانَ”. استنتج من كلماته هذه أنّ الرسول بولس كان رياضيًّا ربط بين الالتزام الّذي يتعلّمه الرياضيّ في النّادي وبين الثّبات النّفسيّ والرّوحيّ المطلق في الحياة.
البعد الثّالث: التّطوّر الرّوحيّ. بامكاني اليوم، وبعد عقود من احتراف الرّياضة، صرت أعرف أهميّة ما قاله بولس الرّسول فيها: “لأَنَّ الرِّيَاضَةَ الْجَسَدِيَّةَ نَافِعَةٌ لِقَلِيل، وَلكِنَّ التَّقْوَى نَافِعَةٌ لِكُلِّ شَيْءٍ، إِذْ لَهَا مَوْعِدُ الْحَيَاةِ الْحَاضِرَةِ وَالْعَتِيدَةِ.” صحيح أنّ الرّياضة ساعدتني كثيرًا في مجالاتٍ عديدةٍ إلا أنّني اختبرت مع الأيّام أّنني إن كنت في حالة الصّلاة والتّأمّل العميق أثناء تماريني لمجّدت الله بكلّ كياني. وهذا ما خلصت إليه إذ عرفت الآية: “فَإِذَا كُنْتُمْ تَأْكُلُونَ أَوْ تَشْرَبُونَ أَوْ تَفْعَلُونَ شَيْئًا، فَافْعَلُوا كُلَّ شَيْءٍ لِمَجْدِ اللهِ.”
وبالعودة إلى “المساحة الثّالثة”، أنا أنصح الشّباب أن تكون الرّياضة عندهم جسرًا يُعيدهم الى الشّركة مع خالقهم ومُحفّزًا للتأمّل في كلمة الله ولا تبقى تمرينًا محدودًا للجسد الفاني مع إهمال الرّوح الّتي أعطانا إياها الله. وهكذا يتحوّل مفهوم الإيمان والنّعمة إلى “تمرّن” حقيقيّ كما في حياة الرّياضيّ لا يقدر أن يعيش خارجه.

