وُلِدَ أغسطينوس في طاچاست في شمال أفريقيا (الجزائر اليوم). وكان ابنًا لمسؤول رومانيّ، وأمّ مسيحيّة مؤمنة تقيّة اسمها مونيكا.
دَرَسَ أغسطينوس البلاغة، واكتسب معرفةً واسعةً بالكتابات اللاتينية. وأصبح كاتبًا بارعًا، ومحاضرًا لبقًا في المحافل العامّة. وفي عمر ناهز السّابعة عشرة بدأ يعيش حياة متسيّبة. عمل أغسطينوس أستاذًا للبلاغة في قرطاجة (374 م)، وروما (383 م)، وميلانو (384 م).
أُعجب أغسطينوس بمذهب شيشرون، فقرأ كتابه “هورطانسيوس” الّذي أثار فيه الشّوق إلى العفّة والبحث عن الحقّ. قرأ أيضًا الكتاب المقدّس لكن ليس بروح الإيمان والتّواضع وإنّما في كبرياء، فأغلق على نفسه منجذبًا خلف الفلسفة “المانويّة”.
في ميلانو استمع بشكلٍ منتظمٍ إلى عظات القدّيس أمبروز الّذي أصلح الكثير من سوء فهمه للمسيحيّة. لكنّ أغسطينوس لم يكن مستعدًّا بعد للتحوّل إلى المسيحيّة لأنّه أحبّ العالم وملذّات العالم. وآمن أنّ المسيحيّة تتطلّب حياة إنكار الذّات. لذا، صلّى أغسطينوس صلاته الشّهيرة: “امنحني العفّة وضبط النّفس، لكن ليس الآن”.
وفي يومٍ ما، ذهب إلى حديقته فسمع صوتًا من منزلٍ قريبٍ يُرنّم، وكأنّه يقول مرارًا وتكرارًا “التقط واقرأ. التقط واقرأ”. فأمسك الكتاب المقدّس بقوّة، وفتحه وقرأ بصمتٍ أوّل ما وقع عليه بصره، فكان النصّ التّالي: “لا بِالْبَطَرِ وَالسّكر، لا بِالْمَضَاجِعِ وَالْعَهْرِ، لَا بِالْخِصَامِ وَالْحَسَدِ. بَلِ الْبَسُوا الربِّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ، وَلَا تَصْنَعُوا تَدْبِيرًا لِلْجَسَدِ لأَجْلِ الشَّهَوَاتِ” (رومية 13: 13-14). وفورًا، أحسّ كأنّ نورًا من الرّاحة من كلّ قلق غمر قلبه وأنّ رحمة الله غفرت خطاياه.
وفي ليلة عيد القيامة عام 387 م اعتمد هو وابنه (غير الشرعي) على يد الأسقف أمبروز. وفي عام 388 م، رجع إلى طاچاست حيث أسّس جماعةً صغيرةً من النسّاك. وفي عام 391 م، كان يزور هيپو (تدعى حاليًا إيبونا) ليضمّ أناسًا لديره، فضغط عليه السّكّان المحلّيون ليَقبل أنْ يُرسم كاهنًا. وعاد بعدها إلى ميلانو مكرِّسًا حياته للدّراسة والكتابة.
وأصبح أغسطينوس أسقف هيپو في عام 395 م وهو المنصب الّذي شغله طيلة عمره. وفي عام 397 م كتب أغسطينوس سيرةً ذاتيّةً روحيّةً شهيرةً سمّاها “الاعترافات”. وقد كشف كتاب أغسطينوس هذا عن الرّحلة الرّوحيّة للكاتب من الوثنيّة إلى المسيحيّة. وعندما يَقرأ المرء “اعترافات” أغسطينوس يُدرك أهميَّة مونيكا (والدته) في حياته، وعمق تأثيرها عليه.
وفي كتابه “مدينة الله”، قال أغسطينوس إنّه توجد مدينتان، المدينة الأرضيّة والمدينة السّماويّة. علامة الأولى محبَّة اّلذات وثقة المرء في قدراته الشّخصيّة، وعلامة الأخرى هي محبّة الله والاعتماد على قدرته. وفي كتابه “الخطيئة الأصليّة والنّعمة” ساعد في تشكيل العقائد حول الخطيئة الأصليّة، الإرادة الحرّة، وضرورة النّعمة الإلهيّة للخلاص. كما وضع أوغسطينوس الأسس المبكّرة للإطار الأخلاقيّ للحرب في ما سمّي “نظريّة الحرب العادلة”، مما أثّر على قرون من الفكر اللاهوتيّ والسّياسيّ.
يُعتبر أغسطينوس أهمّ المُعلّمين وأكثرهم تأثيرًا في تاريخ الفكر المسيحيّ الغربيّ، وهو أب الكثلكة نظرًا لعقيدة الكنيسة الّتي أسّسها، وفي الوقت عينه أبٌ للبروتستانتيّة، من ناحية عقيدته المختصّة بالنّعمة والخلاص.

