اختلفت الآراء في شخصه، فالبعض يظنّه أحد معاوني الرّسول بولس الّذي ذكره في رسالته إلى أهل فيلبّي (4: 3)، والبعض يرى أنّه القنصل فلافيوس كليمنس العضو في العائلة الملكيّة، حفيد الإمبراطور فسباسيان وابن عم الإمبراطور دومتيان، ورأى البعض أنّه مجرّد قريب لأحد القناصل، أو عبد يهوديّ له حرّره فحمل اسمه.
على أيّ حال اعتُبِرَ أكليمندس أحد أهمّ الآباء الرسوليّين وهو الأسقف الثّالث على روما بعد لينوس وأناكليتوس وقد خدم بين الأعوام 88 و 99 م. وقال العلاّمة ترتليان أنّ الّذي كرّسه كان الرّسول بطرس نفسه. سِيمَ أسقفًا في السّنة الثانية عشرة لحكم دومتيانوس، وتنيّح في السّنة الثّالثة من حكم تراجان. يقول عنه القدّيس إيريناوس أسقف ليون (120م – 202م)، “هذا الرجل رأى الرّسل وتحدّث معهم وكانت كرازتهم لا تزال تدوّي في أذنيه وتقاليدهم ماثلة أمام عينيه.”
وعندما لم يقبل العدول عن مسيحيّته أمر تراجان بنفيه إلى شبه جزيرة القرم، وتكليفه بقطع الأحجار. هناك في المنفى التقى بحوالي ألفين من المسيحيّين المنفيّين فرعاهم كأبٍ حنون. وإذ كانوا في حاجة إلى ماء اجتمع مع بعض المؤمنين وصار يصلّي فأرشده الرّبّ إلى صخرة بها نبع ماء فاستقوا منها.
وقد آمن على يدَيه كثيرٌ من الوثنيّين، وتحوّل منفاه إلى مركز للعبادة والكرازة، الأمر الّذي ملأ الولاة غضبًا، فوضعوا في عنقه مرساة وطرحوه في البحر الأسود ومات غرقًا عام 110 م.
كان لرسالته الّتي وجّهها إلى أهل كورنثوس وزنها، وهي تحمل طابع صديقه بولس الرّسول وطريقة تفكيره. وتُعتبر أُولى الكتابات الآبائيّة الّتي احتلّت مركزًا خاصًّا رفيعًا في الكنيسة. فقد كتبها بسبب مشاكل قامت بين المسيحيّين الذين تمرّدوا على أساقفتهم فيها حوالي سنة 95م أو 96م. وهي واحدة من أقدم الوثائق الكنسيّة بعد العهد الجديد، واقتبس فيها من أقوال الرّبّ يسوع المسيح، سواء من الذّاكرة أو من نصوص الأناجيل. وكتب في رسالته حول النّظام والوحدة والانسجام داخل الكنيسة، وعن أهميّة التّوبة، واتّباع مثال المسيح في التّواضع. وقدّم فيها أحد أهمّ الدّفاعات عن قيامة الأموات خارج العهد الجديد.
وعبّر فيها أيضًا عن سلطان تعليم الرّبّ يسوع المسيح وسيادته في الكنيسة الأولى وإلى تسليمه الإنجيل للرّسل ومنحهم السّلطان الرسوليّ. وشدّد على أنّ كلمة الله يجب أن تطاع فقال: “لماذا نمزّق ونقطع أعضاء المسيح ونثور ضدّ جنسنا، ويستولي علينا جنونٌ مطبق كهذا فننسى أنّنا أعضاء بعضنا البعض؟”
وقد كتب لنا عن جهاد واستشهاد القديس بطرس: “بسبب الغيرة الشرّيرة احتمل بطرس الآلام ليس مرّة واحدة ولا مرّتين بل مرارًا، وأخيرًا إذ استشهد رحل إلى موضع المجد المعيّن” ويقول عن القديس بولس: “استطاع بولس بسبب الغيرة والحسد أن يقتني جعالة الاحتمال بصبر وحمل شهادة أمام الحكّام، وانطلق إلى الموضع المقدّس مقدّمًا نفسه مثالاً للصّبر.”
ثمّ يؤكّد لنا بصورةٍ مطلقةٍ إيمان الكنيسة بوحي كلّ أسفار العهد الجديد فيقول عن رسالة القدّيس بولس الرسول إلى كنيسة كورنثوس، التي أُرسلت إليهم من قبل: “انظروا إلى رسالة بولس الطوباوي. ماذا كتب لكم في بداية الكرازة بالإنجيل؟ في الواقع كتب لكم بوحيٍ من الروح القدس رسالةً تتعلّق به وببطرس وأبولوس”.

