كلّنا سمعنا عن حادثة التّحرّش الّتي تعرّض لها التلامذة في أثناء الرّحلة المدرسيّة الّتي قاموا بها إلى مدينة ملاهي مجاورة، والّتي ضجّت بها وسائل التّواصل الاجتماعيّ. هذه القصّة ليست استثناءً، فبحسب منظّمة الصحّة العالميّة هناك واحد من كلّ خمسة أطفال يتعرّض للتحرّش قبل بلوغه 18 سنة. وتحدث غالبًا حيث يُفترض أن يكون الطّفل بأمان.
فما هو التحرّش؟
التحرّش الجنسيّ هو كلّ فعل، أو قول، أو إشارة تصدر عن شخصٍ تجاه شخصٍ آخر، تمسّ جسده أو تخدش حياءه، قد يكون المعتدي شخصًا غريبًا أو قد يكون قريبًا من دائرة ثقة الطّفل ممّا يزيد من صدمة الضحيّة ويجعلها أكثر حيرةً وخوفًا من الإفصاح.
التحرشّ بالأطفال هو أحد أخطر أنواع العنف الجنسيّ لما له من آثارٍ نفسيّةٍ وجسديّةٍ بالإضافة إلى الآثار السّلوكيّة والإجتماعيّة المدمّرة على الضّحايا، وهو يُعدّ انتهاكًا خطيرًا لحقوق الطفل، وجريمة تترك ندوبًا نفسيّة لسنوات طويلة.
أسباب التّحرّش الجنسيّ
إنّ ظاهرة التحرّش الجنسيّ بالأطفال هي ظاهرة معقّدة ومتعدّدة الأوجه ولها أسبابٌ عديدةٌ نفسيّةٌ واجتماعيّةٌ وثقافيّةٌ ومنها: (1) نقص التّوعية الجنسيّة مما يجعل الطّفل فريسةً سهلةً وعِرضةً للاستغلال الجنسيّ. (2) وجود الطّفل في مكانٍ غير آمن، وبعيدًا عن المراقبة الأبويّة أو المدرسيّة، مِمّا يُسهِّل الإستفراد به. (3) الإضطّرابات النفسيّة والميل الجرميّ للمعتدي. (4) غياب رقابة الأهل عن كلّ ما يشاهده المراهقون على وسائل التّواصل الاجتماعيّ ممّا يجعلهم ينظرون إلى الأطفال كأشياء جنسيّة. (5) عوامل إجتماعيّة كالتّفكّك الأُسريّ قد تُشجّع المتحرّشين على الاستمرار في أفعالهم. (6) التّكتّم والصّمت حول الجريمة خوفًا من العار أو الوصمة الاجتماعيّة يجعل الضّحيّة يستسلم للمعتدي. (7) الفقر الّذي يدفع الأولاد للعمل في بيئاتٍ غير آمنة. (8) عدم وجود قوانين رادعة فيظنّ المتحرّشون أنّهم سيفلتون من العقاب.
الآثار النّفسيّة على الطّفل
للتّحرّش آثارٌ نفسيّةٌ خطيرةٌ على الطّفل، كالإنطواء، نوبات الغضب المتكرّرة، الثّقة المتدنّية بالنّفس والشّعور بالعار، نوبات الهلع، الأحلام الليليّة المزعجة، كما يمكن أن تؤدّي إلى اضطّرابات جنسيّة وسلوكيّات غير سويّة في مرحلة المراهقة والرّشد. وإن لم يُعالَج ضحيّة التّحرّش بشكلٍ صحيح قد يكبر ويصير بدوره متحرّشًا أو شاذًّا.
كيفيّة حماية الأطفال
حماية الأطفال من التّحرّش مسؤوليّةٌ تبدأ من البيت وتتعزّز في المدرسة والمجتمع. وطُرق الوقاية من التّحرّش الجنسيّ عديدةٌ وأهمّها: (1) التّوعية الجنسيّة المبكرة وهي تتعلّق بتعليم الطّفل مفهوم “الخصوصيّة الجسديّة”. (2) تعزيز ثقة الطّفل بنفسه وتدريبه على أن يصرخ بأعلى الصّوت ويقول “لا” ويستنجد بمن هو موجودٌ في الموقف الّذي يشعر فيه بعدم الرّاحة. (3) تعزيز الرّقابة الأُسريّة ومراقبة استخدام الأطفال للإنترنت. (4) تنظيم حملات توعية لتعزيز القيَم الأخلاقيّة والإجتماعيّة الّتي تحمي الأطفال. (5) تفعيل القوانين الصّارمة لإدانة المعتدين ولحماية الأطفال من التّحرّش. (6) توفير مراكز متخصّصة لتقديم الدّعم النّفسيّ عند الحاجة.
موقف المسيح من المُتحرّش
صحيح أنّ يسوع أحبّ الخطاة، ومن بينهم المتحرّشين، ويُريد أن يُخلّصهم ويُغيّر نمط حياتهم، إلّا أنّه في الوقت عينه، ومن حرصه على سلامة الأطفال الضّعفاء، وجّه إدانةً صارمةً للمعتدين على براءة الطّفولة: “ومن أعثر أحد هؤلاء الصغار المؤمنين بي فخيٌر له أن يُعلّق في عنقه حجر الرّحى ويُغرق في لجّة البحر” (متى 6:18). تدلّ كلمات يسوع القاسية هذه أنّه اعتبر الإعتداء على الطّفولة جريمة ٌكبرى تُهدّد براءة الأطفال واستقرارهم، وأنّ على المجتمع حمايتهم لينموا بأمانٍ وبصحّةٍ نفسيّةٍ جيّدة وسعادةٍ وكرامة.

