الله يرفع المتّضعين، لكنّه غالبًا ما يبدأ بتعليمهم كيف يتّضعون. وهذه من أصعب مراحم المسيح؛ إذ يشكّل المتواضعين بنعمةٍ مؤلمة. إنّه يدعو شعبه أن يجلسوا ليحسبوا النّفقة، وأن يُقدّروا ما تتطلّبه الطّاعة، وأن يتخلّوا عن كلّ ما يقف حاجزًا بين النّفس والله. فالإيمان ليس زينةً للحياة، بل هو تسليم الحياة لله. لذلك قال الرّبّ: “وَمَنْ لاَ يَحْمِلُ صَلِيبَهُ وَيَأْتِي وَرَائِي فَلاَ يَقْدِرُ أَنْ يَكُونَ لِي تِلْمِيذًا.”

يبدو الاتّضاع للوهلة الأولى أمرًا غير مألوف لطبيعتنا البشريّة. فنحن نرغب في أن يفهمنا الآخرون، وأن يَرَونا بأفضل صورةٍ ممكنة. وإذا وُجِّهت إلينا اتّهامات باطلة، نريد أن نردّ عليها، وأن تُصحَّح الصّورة، وأن يجد ألمنا من يفهمه، ويُستعاد اعتبارنا.

وحتّى حين نطلب التّواضع، تبقى قلوبنا تميل إلى المقاعد الأولى. لكنّ المسيح يقول: “مَتَى دُعِيتَ مِنْ أَحَدٍ إِلَى عُرْسٍ فَلاَ تَتَّكِئْ فِي الْمُتَّكَأ الأَوَّلِ… بَلْ مَتَى دُعِيتَ فَاذْهَبْ وَاتَّكِئْ فِي الْمَوْضِعِ الأَخِيرِ، حَتَّى إِذَا جَاءَ الَّذِي دَعَاكَ يَقُولُ لَكَ: يَا صَدِيقُ، ارْتَفِعْ إِلَى فَوْقُ. حِينَئِذٍ يَكُونُ لَكَ مَجْدٌ أَمَامَ الْمُتَّكِئِينَ مَعَكَ.”

وهذا ليس ضعفًا. فالله الآب هو الّذي يحدّد قيمتنا وهويّتنا. والعالم يتسابق إلى العلوّ، أمّا المسيح فيقود خاصّته إلى الاتّضاع، حيث تتعلّم النّفس أن تستريح في نظر الآب لا في مديح النّاس. وقد سار الرّبّ يسوع نفسه في هذا الطّريق. أُهين واتُّهِم وأُسيءَ فهمه، لكنّه “إِذْ شُتِمَ لَمْ يَكُنْ يَشْتِمُ عِوَضًا، وَإِذْ تَأَلَّمَ لَمْ يَكُنْ يُهَدِّدُ، بَلْ كَانَ يُسَلِّمُ لِمَنْ يَقْضِي بِعَدْلٍ”.

لذلك يعلّمنا الرّبّ أن نتحرّر من عقدة الدّفاع الدائم عن الذّات، وأن نحبَّ أعداءنا، ونبارك من لا يقدر أن يردّ لنا الجميل. ومن هنا قال يسوع: “وَمَنْ سَخَّرَكَ مِيلاً وَاحِدًا فَاذْهَبْ مَعَهُ اثْنَيْنِ”. فهذه الطّاعة إعلان ثقة بأنّ الله هو من يثبّت كرامة أولاده في وقته.

فلنتذكّر أنّه إن أساء النّاس فهمنا، فالله يعرف قلوبنا، وإن تجاهلونا، فهو لا ينسى أولاده. ومن هنا جاءت صلاة داود الصّادقة، إذ فضّل الوقوف على عتبة بيت الرّبّ على السّكن في خيام الشرّ. فالمكان المنخفض ليس موضع تخلّي الله عن شعبه، بل الموضع الّذي يهيّئهم فيه للمقامات الرّفيعة.

شاركها.
Exit mobile version