صحيح أنَّ الشُّرور ليست كلُّها من خيار الإنسان؛ فهو لا يختار ألم ابنه أو موت أمِّه، لكنَّ هناك شرورًا تنتج من خياراته. فلو لم يكن للإنسان حرِّيَّة الخيار بين الجيِّد والسيِّئ، بين الخير والشَّرِّ، كيف يكون لخياره الخيرَ والرَّبَّ، قيمةٌ ما؟
لقد خلق الله الإنسان على صورته ومثاله (تك 1: 26)، وضِمن هذه الصُّورة تكمُن إرادة الإنسان الحرَّة. ولكي يُمارس الإنسان حرِّيَّته، أعطاه الله إمكانَ الخيار بين شجرتَين (تك 1: 17). فاختار العِصيان عندما أكل من الشَّجرة الـمُحرَّمة، وأخطأ الخيار والهدف. هذه هي الخطيَّة الَّتي سَقَط فيها الإنسان.
والخطيَّة جلَبت العار والخجل والموت على الإنسان، وكان لها مضاعفات كثيرة على مختلف الصُّعد الشَّخصيَّة والعائليَّة والصِّحِّيَّة والمِهْنيَّة والمجتمعيَّة. من هذه المضاعفات: سِيادة الرَّجل على المرأة (تك 3: 16)، وأوجاع حوَّاء عند الولادة (تك 3: 16)، والشَّوك أو المصائب الطَّبيعيَّة (تك 3: 18)، والتَّعب في العمل (تك 3: 17).
هذا كلُّه شرٌّ، لكنَّ الله لمْ يخلق الشَّرَّ ولا الخطيَّة، بلْ سمَح للإنسان بأن يُمارِس حرِّيَّته. غير أنَّ اختيار الإنسان للخطيَّة، وعاقبة هذا الاختيار، لم يكونا لِيُغيِّرا خطَّة الله في خلق إنسانٍ حرٍّ. فالله لا يقدر أن يخلق إنسانًا على صورته ومثاله من دون أن يُعطيَه حرِّيَّة كاملة.
ألله يسمح بالشَّرِّ ليُبيِّن للإنسان استحالة تفادي نتائج الخطيَّة
يظنُّ الإنسان أنَّ الشَّرَّ يمرُّ بلا عِقاب. لكنَّ الله يسمح بالشُّرور ليُبيِّن للإنسان أنَّ للخطيَّة أجرة، وأجرتها موت. وهذا ما سبق وأنذر الله به الإنسان في الجنَّة (تك 2: 17).
يؤكِّد بولس الرَّسول أنَّ ترك الرَّبِّ هو أساس كلِّ الشُّرور إذ يقول: “وَكَمَا لَمْ يَسْتَحْسِنُوا أَنْ يُبْقُوا اللهَ فِي مَعْرِفَتِهِمْ، أَسْلَمَهُمُ اللهُ إِلَى ذِهْنٍ مَرْفُوضٍ لِيَفْعَلُوا مَا لَا يَلِيقُ” (رو 1: 18 و21-22 و24-25 و28).
إنّ رَفْضَ معرفة الله والعمل بموجب إعلانه يقود إلى كلِّ الشُّرور. ويتحمَّل الإنسان تبعة قراره بالابتعاد عن الرَّبِّ. وهكذا يصير الإنسان بعقله، وفكره، وقوله، وعمله وسلوكه شرِّيرًا. وهذا يقوده إلى تصرُّفات وأفعال شرِّيرة في حياته، منها الزِّنى والعهارة والنَّجاسة والدَّعارة وعبادة الأوثان والسِّحر والعداوة والخصام والغيرة والسُّخط والتَّحزُّب والشِّقاق والبدعة والحسد والقتل والسُّكر والبطر، الَّتي يُسمِّيها الكتاب المقدَّس أعمال الجسد (غل 5: 19-20).
ألله يسمح بالشَّرِّ ليُنذر الخطاة
ويسمح الخالق بأن تُبلى المجموعات البريئة وغير البريئة بالمصائب والنَّكبات، كإنذار مدوٍّ لكي يعود النَّاس إليه. ثمَّ إنَّه يسمح بالشَّرِّ الطَّبيعيِّ كالأوبئة، أو الشَّرِّ الأخلاقيِّ كالحروب، لتأديب الشُّعوب ولإنذار أولاده. يقول النَّبيُّ عاموس: “أمْ يُضْرَبُ بِالْبُوقِ فِي مَدِينَةٍ وَالشَّعْبُ لا يَرتَعِدُ؟ هَلْ تَحْدُثُ بَلِيَّةٌ فِي مَدِينَةٍ وَالرَّبُّ لمْ يَصْنَعْهَا؟” (3: 6).
جاء بعض النَّاس إلى المسيح يناقشونه في سبب حدوث الشَّرِّ. فيعطي حادثتَين وقعتا يومذاك: الأولى عن مجزرة ارتكبها الحاكم الرُّومانيُّ بيلاطس في حقِّ الجليليِّين، والثَّانية عن برج سقط في سلوام وقتل بعض النَّاس. فسألوه هل ما حدث هو بسبب خطاياهم، فما كان من الرَّبِّ يسوع إلَّا أنْ أوضح أنَّ ما وقع كان لكي يَعتَبِرَ كلُّ من يسمع بهاتين الفاجعتين، ويتوب قبل أن يأتي دوره ويموت فجأة (لو 13: 1-5). إذًا أيًّا يكن سبب وفاة الآخرين، يجب أن يؤخذ على أنَّه إنذار إلهيٌّ لنا يقودنا إلى ترك الخطيَّة والشَّرِّ رجوعًا إلى الرَّبِّ.

