منطق المؤامرة: حين يغتال حرّاس الهيكل الرّجل البّار
في مشهدٍ سرياليّ يختزل صراع النّور مع الظّلمة، يضعنا متّى الرّسول في إنجيله أمام مفارقةٍ صارخةٍ تستحقّ التّأمّل بتمعّن (مت 26: 1-5). فبينما كان يسوع يُعلّم تلاميذه عن أسمى معاني العطاء وبذل الذّات استعدادًا للفصح، كان مجلس “السّنهدرين” (المجلس الأعلى لليهود) يجتمع في دار رئيس الكهنة “قيافا” وبرئاسته، يتآمرون للتخلّص منه. والمفارقة أنّ هؤلاء المجتمعين لم يكونوا قطّاع طرق، بل رؤساء كهنة وكتبة وشيوخ الشّعب؛ أولئك الّذين يُفترض أنّهم القادة الأفاضل والحكماء المحترمون في بيئتهم.
لقد أتعبهم يسوع الناصريّ!
فإقامة لعازار، وطرد تجّار الهيكل، ووصف الكهنة والفريسيّين بــِ”القبور المبيّضة”، كلّها أحداث جعلت الجماهير تهرع خلفه مؤمنةً بنبوّته ومتأثّرةً بتعاليمه. لم يحتمل “قيافا” ومن معه وجود شخصٍ مقتدرٍ يخطف الأنظار عنهم أو يُهدّد عروشهم؛ فنهشهم الحسد، واستثار غيظهم، ووحّد صفوفهم رغم كلّ تناقضاتهم السّابقة.
اغتيالٌ برداء التّقوى
لم تكن مشكلة قادة المجتمع الدّينيّ والسّياسيّ آنذاك في “فعل القتل” بحد ذاته، بل في “توقيته”. ويا لسخرية القدر! فبينما أجمعوا على سفك دم البار، كانوا حريصين كلّ الحرص على ألّا تُمسَّ الشّعائر أو تتدنّس الأيّام المقدّسة، خشية لوم الشعب!
هنا نلمس “منطق المؤامرة” في أبشع صوره؛ لقد كان لسان حالهم يقول: “صحيح أنّنا عازمون على القتل… لكنّنا متمسّكون بصورتنا كحرّاسٍ لأصول الدّين.” خاف هؤلاء القادة من “شغب النّاس” ومن الفوضى في العيد، أكثر من خوفهم من الله ومن كرسيّ دينونته. بالنّسبة إليهم، كان “هدوء الشّارع” أهمّ من “طهارة الضّمير”، وسمعتهم كرجال دين أغلى من جوهر العدالة والرّحمة.
الخلاصة: استقامةٌ تفضحُ اعوجاجًا
إنّ الحقد القاتل الّذي حمله قادة المجلس الأعلى لم يكن سببه سوى أنّ يسوع كان معلّمًا غير خاضع، يملك سلطانًا حقيقيًّا ولا يستمدّ شرعيّته من أختامهم. لقد كسر تقاليدهم البالية بتعاليمه، وفضح فسادهم باستقامته، وعرّى عجزهم بنوره. وفوق كلّ هذا، ربح محبّة الجماهير وثقتها، فخافوا أن يُسحَب البساط من تحت أقدامهم.
ما زال مشهد “بيت قيافا” يتكرّر في كلّ مجتمع؛ حيث يتآمر شيوخ المنظومات مع قادة المصالح ضدّ كلّ بارّ يفضح وجوده فسادهم ويُهدّد سلطتهم. سيبقى يسوع مثالًا للحقّ الذي لا يهاب المواجهة. وسيظل مجلس “قيافا” رمزًا لكلّ منظومةٍ تخاف من النّاس وتنسى الله، تقتل البريء وتتمسّك بالقشور، وتظنّ واهمةً أنّها بإسكات صوت الحقّ تضمن بقاءها.

