في أحد الأحياء المتواضعة، أُقيم نشاطٌ خيريٌّ استمرّ ليومين، كان هدفه دعم الفقراء المنسيّين الّذين غالبًا ما يُهمَلون في زوايا الحياة. وكان بين الحضور المتنوّع: الخجول الّذي يخجل من طلب المساعدة، والحنون الّذي يلوم نفسه على ضعفه، والوضيع الّذي لا يملك شيئًا، المفلس، والمكسورون الّذين يحملون جراحهم بصمت
وسط هذا الحشد، لفت انتباهي رجلٌ غريبٌ يحمل حقيبةً ضخمة، يزاحم الآخرين ويضايقهم، ويقتنص كل ّما تقع عليه يداه جامعًا أكبر كميّة ممكنة من المساعدات من دون أن يلتفت لمن حوله. كان يتصرّف وكأنّ العالم ملكه، وكأنّ لا أحد يستحقّ شيئًا سواه. سألت: هل يعرفه أحد؟ لكن النّظرات المتبادلة أكّدت لي أنّه غريبٌ عنهم جميعًا.
ورغم أنّ عمل الخير كان الهدف الأساسيّ للنشاط، إلّا أنّ الإساءة تسلّلت إلى المشهد العامّ. فبعض من حضروا لم يأتوا لحاجة، بل لاستغلال كرم الآخرين. هؤلاء الإستنفاعيّون لا يؤذون الكرماء فقط، بل يثقلون كاهل المجتمع المسكين أيضًا، ويجنون مكاسب زائفة على حساب المحتاجين الحقيقيين.
لكن، لكي لا نظلمهم، أحبّ أن أذكر بعض أسباب هذا التّصرّف الغريب. فقد يكون هذا الشّخص مكسورًا تحت ثقل الفقر الشّديد أو لربّما قد يكون غير منتج ويعاني من الأنانيّة والنّرجسيّة. بالمختصر انّها نماذج اجتماعيّة سيّئة تخلق سلوكًا غير شريف.
أؤمن أنّ ما يُبنى على الظّلم والأنانيّة لا يدوم. سيظلّ النّبلاء يضيئون الطّريق وسيواصل الفقراء نضالهم. أمّا أصحاب الحقيبة الضّخمة فمصيرهم أن يُكشَفوا مهما طال الزّمن. وأمّا ان إستطعنا رصدهم والتّخفيف من وطأة حضورهم عبر تسجيل المستفيدين والتحقّق من أوضاعهم وهويّاتهم، أو عبر التّنسيق مع جمعيّات محلّية موثوقة، أو عبر وضع آليّات شفّافة للتّوزيع قد نخفّف من أعدادهم والهدر الّذي يُسبّبونه. أمّا اعتماد برامج تمكين مستدامة، والقيام بحملات توعويّة أخلاقيّة ومهنيّة فقد يُعيدهم للعمل ويُساعدهم للإنتقال إلى حياةٍ كريمة.
هنا أودّ أن اذكر قصّة ساندي المتطوّعة الّتي كانت تدير قوائم المستفيدين. في اليوم الثّالث من النّشاط لاحظت أنّ حقيبة أحدهم تثقل ظهره؛ رفضت أن تتجاهل الأمر، فتتبّعت اسمه وسجّلت حالته. اتّضح أنّه يستغلّ المساعدات من دون حاجةٍ حقيقيّة. بدلاً من رفضه والتّشهير به، أعادت انخراطه عبر إحالته إلى ورشة تدريب ومشروع دخل مؤقت. النّتيجة لم تكن فقط استعادة عدالة التّوزيع بل جعل هذا الرّجل يدرك قيمة العمل المنتج الّذي أعاد إليه جزءًا من كرامته.
العطاء الحقيقيّ يبدأ بنيّةٍ صافيةٍ وتنظيمٍ رشيدٍ يحمي كرامة الأخذ والعطاء معًا. لا يكفي أن نوزّع حصصًا غذائيّة أو أموالًا؛ يجب أن نبني سبلًا تُحرّر النّاس من الاعتماد على المساعدات الاجتماعيّة وتُعيد إليهم كرامتهم وتحقّق كرامة المجتمع. لنحوّل كلّ حملةٍ إلى فرصة تمكين لا ميدان استنزاف؛ لنضع ضوابط تحمي الموارد وتكرّس العدالة؛ ولنعمل معًا على مجتمعٍ يستبدل حقيبةً ضخمةً من الجشع بشبكة من الفرص والأمل. حين نفعل ذلك سنكتشف أنّ النّور الّذي أشعلناه في يومٍ واحدٍ يمكن أن يُنير حياةً تستمرّ لأجيال. الأهمّ هو أن لا نفشل في عمل الخير بسبب وجود متطفّلين أو انتفاعيّين، بل لنستمرّ به لكن بوعيٍ وأمانة، لكي لا يُحرَم من يستحقّ لصالح إنتهازيّ.

