لطالما ارتبطت عقوبة الإعدام، عبر التّاريخ وفي مختلف المجتمعات والحضارات، بمبدأ “العقاب على قدر الجرم”، إذ اعتُبرت في العديد من التّشريعات الجزائيّة وسيلة لتحقيق العدالة في مواجهة الجرائم الأشدّ خطورة.
والإعدام هو عقوبةٌ تُفضي إلى إنهاء حياة شخصٍ بحكمٍ قضائيّ، بعد ارتكابه إحدى الجرائم الّتي ينصّ عليها القانون ويحدّد لها العقوبة المقابلة، عملًا بقاعدة: “لا جريمة ولا عقوبة من دون نصّ”. ومع مرور الزّمن، تغيّر موقف الدّول والمجتمعات منها؛ فألغاها البعض كليًّا، وأبقى عليها البعض في ظروفٍ معيّنة، وعلّق العمل بها آخرون، فأصبحت موضع جدلٍ بين مؤيّدٍ ومعارض.
الإعدام في القانون اللبنانيّ
لا تزال عقوبة الإعدام منصوصًا عليها في القوانين اللبنانيّة للجرائم الّتي تقع على حياة الإنسان وسلامته (المادة 549 من قانون العقوبات)، كالقتل العمد عن سابق تصوّر وتصميم، والخيانة، والتّجسّس، والإرهاب.
إلّا أنّ أحكام الإعدام في لبنان لا تُنفّذ منذ العام 2004، إذ تُخفّض بعض الأحكام إلى الحبس المؤبّد مع الأشغال الشّاقّة، مع إلزام الجاني بدفع تعويضات ماليّة لذوي الضّحيّة.
الدّعوة إلى إلغاء عقوبة الإعدام في لبنان
وضعت وزارة العدل عام 2008 مشروع قانون لإلغاء عقوبة الإعدام، انسجامًا مع شرعة حقوق الإنسان (1948)، والعهد الدّوليّ الخاصّ بالحقوق المدنيّة والسياسيّة (1966)، اللذين يؤكّدان حقّ الإنسان في الحياة والأمان على شخصه وعدم جواز حرمانه منهما.
ومنذ ذلك الحين، لا تزال الآراء متباينة بين المؤيّدين والمعارضين.
المسيحيّة وعقوبة الإعدام
تنوّعت المواقف المسيحيّة من عقوبة الإعدام بين مؤيّد ومعارض. فالمعارضون يرون أنّ الإنسان مخلوقٌ على صورة الله ومثاله، وأنّه لا يجوز سلب حياته حتّى وإن كان قد ارتكب جريمة القتل، لأنّ فرصة التّوبة والخلاص تبقى ممكنةً للجاني حتّى اللحظة الأخيرة من حياته.
أمّا المؤيّدون فيرون أنّها قد تكون وسيلةً لتحقيق العدالة وحماية المجتمع من الجرائم الأشدّ خطورة. ويستند بعضهم إلى عهد الله مع نوح: “سَافِكُ دَمِ الإِنْسَانِ بِالإِنْسَانِ يُسْفَكُ دَمُهُ”، معتبرين أنّ فيه إشارةً إلى مسؤوليّة السّلطة في معاقبة القتل العمد. كما يرون أنّ العهد الجديد لم يُلغِ هذا المبدأ، بل يؤكّد دور السّلطة في مقاومة الشرّ وإقامة العدل، كما يشير الرّسول بولس إلى أنّها لا تحمل السّيف عبثًا، بل لها دور في معاقبة فاعلي السّوء.
وبناءً على ذلك، يعتبر المؤيّدون أنّ العقوبة قد تشكّل رادعًا للجرائم الخطيرة وتحافظ على أمن المجتمع، مع التّأكيد على عدم استخدامها إلّا في الحالات القصوى ورفض أيّ أسلوبٍ وحشيٍّ أو مهينٍ في تنفيذها.
بين الإلغاء والإبقاء
بين الدّعوة إلى إلغاء عقوبة الإعدام حفاظًا على حقّ الإنسان في الحياة، وبين الإبقاء عليها لتحقيق الرّدع والعدالة، يبقى أنّ لكلّ بلدٍ واقعه واعتباراته الفلسفيّة والاجتماعيّة والدينيّة في تحديد موقفه منها.
وفي كلّ الأحوال، فإنّ إلغاء عقوبة الإعدام يفرض على الدّول مسؤوليّة إيجاد وسائل فعّالة لتحقيق العدالة وحماية المجتمع، من خلال اعتماد مفهومٍ متوازنٍ للعقاب يجمع بين إصلاح السّجون وتأهيل نزلائها، وبسط هيبة الدّولة وتفعيل أجهزتها الأمنيّة والقضائيّة، بما يحدّ من العنف والجريمة ويحمي حياة المواطنين.

