ربّما تكون اليوم واحدًا من آلاف اللبنانيين الّذين ودّعوا أبناءهم عند المطار، لا لأنّهم اختاروا الرّحيل بحثًا عن مغامرة، بل لأنّ لبنان لم يعد يحتمل أحلامهم، ولأنّ إرسال “الدّولار الأخضر” من الخارج بات أحيانًا الطّريقة الوحيدة لإبقاء العائلة صامدة. لم يفرغ بيتك لأنّ أولادك كبروا فحسب، بل لأنّ ظروف الوطن اضطرّتهم إلى الرّحيل كي يساعدوا عائلاتهم ويحملوا بعض الأعباء عنهم.
هذا النّوع من “الفراغ المعنويّ” مختلف. ففيه فخرٌ بابنك أو ابنتك اللذين نجحا واستقرّا، لكن فيه أيضًا جرحٌ لا يندمل. جرحُ الكرسيّ الفارغ على مائدة الأحد، والصّوت الذي تحوّل إلى رسالةٍ صوتيّة بدل أن يكون حضنًا حقيقيًّا. وجعُ الصّمت الذي يملأ البيت في ساعة العودة من المدرسة، حين كان أولادك يركضون نحوك.
قد تسأل: أين الله من هذا الفراغ؟
تذكّر أنّ حنّة، أمّ صموئيل، لم تحتفظ بابنها لنفسها، بل أعطته للربّ وهي تعلم أنّها لن تراه كلّ يوم. ومع ذلك، لم يكن الفراق نهاية العلاقة، بل بداية علاقةٍ جديدةٍ تدعمها الصّلاة والثّقة بالله. يخبرنا الكتاب المقدّس أنّ صموئيل كان يخدم أمام الربّ، بينما كانت أمّه تصنع له كلّ سنةٍ جُبّةً صغيرة، تقول من خلالها: “ما زلتُ أحبّك، رغم البعد”.
ماذا تفعل أنت اليوم؟
اجعل من هذا الفراغ مساحة صلاة، لا مساحة قلق فقط. صلِّ لابنك أو ابنتك كلّ يوم، لا فقط حين يتّصلان. اطلب من الله أن يكون هو الحضن الّذي لا تستطيع أن تمنحه لهما عبر الشّاشة. وحين تشعر بالوحدة، تذكّر أنّ “اَللهُ مُسْكِنُ الْمُتَوَحِّدِينَ فِي بَيْتٍ” (مزمور 68)، وأنّه قادرٌ أن يملأ فراغك بحضوره حتّى حين تكون الغرف فارغة.
وابنك، أينما كان، ما زال جزءًا من قصّتك مع الله. فالبعد الجغرافيّ لا يُلغي الشرّكة الرّوحيّة. فلتكن صلاتك اليوم جسرًا يعبر البحار، ولتبقَ الكلمة الصّادقة: “أنا أحبّك وأصلّي لأجلك” هي الجُبّة الصغيرة الّتي ترسلها إليه رمزيًّا كلّ يوم.


