في أعيادنا نحن المسيحيّين، نقف مبهورين أمام فيض العطايا الإلهيّة نحونا نحن البشر. فالله الّذي أغدق علينا ببركاته الزّمنية المتنوعّة، قدّم لنا أعظم ما لديه في “عطيّته الّتي لا يُعبَّر عنها”، وهي ابنه الوحيد الّذي بذل نفسه لأجل خلاصنا. وأمام هذا العطاء الفائق، نجد أنفسنا كبشر مدفوعين لنقابل عطاءه الإلهيّ بعطاءٍ مقبول. نتعلّم من المجوس قديمًا حين قدّموا هداياهم الكريمة، ذهبًا ولُبانًا ومرًّا، للكلمة المتجسّد. فيستاءل كُلّ تقيٍّ مع صاحب المزمور: “مَاذَا أَرُدُّ لِلرَّبِّ مِنْ أَجْلِ كُلِّ حَسَنَاتِهِ لِي؟” ماذا نُقدّم عربونًا لمحبتنا ولتقديرنا لمن جاء لأجلنا نحن البشر وأعطانا نفسه فداء لنفوسنا من الهلاك؟
الإجابة الصّحيحة بحسب العهد الجديد لا تكمن في تقديم طقوسٍ باردة، بل في تقديم “ذبائح روحيّة” تنبع من قلبٍ مملوءٍ بالامتنان. ويقول أنّ هذا يبدأ بالتّكريس الكلّي للحياة. فالله الّذي أعطانا ذاته، لا يطلب منّا أقلّ من ذواتنا. هو ينادينا قائلاً: “يا ابني أعطني قلبك”. هكذا تكون استجابتنا في تقديم أجسادنا ونفوسنا “ذبيحة حيّة مقدّسة ومرضيّة عنده” كما علّمنا بولس الرّسول. إنّ هذا التكريس يتجلّى برفض تقديم أعضائنا للإثم، بل بتكريسها للبرٍّ لمجد القدّوس العليّ. هكذا نُترجم محبّتنا له بحفظ وصاياه والعيش في قداسةٍ تليق بفادينا.
ويُعلّمنا الرّوح القدس أن نُقدّم “ذبيحة التسبيح” لمخلّصنا. هذه ليست مجرّد كلمات نردّدها، بل هي “ثمر شفاه” معترفة بجميله معلنة ًمجد اسمه في عبادة روحيّة نابعة من روحٍ متواضعةٍ يُقدّرها الله أكثر من تلك المليئة بالكبرياء. وقلوبنا المكرّسة له لا تكتفي فقط بالتّرنيم والعبادة أمام النّاس بل تعكس حبّه للجميع من حوالينا. لا يقدر المسيحيّ الحقيقيّ أن يرفع عبادةً مقبولةً من الله ما لم يُحبّ أبناءه ويُقدّم عبر خدمتهم العمليّة آيات المحبّة والتّكريس لخالقه. هكذا يتعلّم المسيحيّ الحقيقيّ فعل العطاء مدركًا أنّ “المعطي المسرور يحبّه الله”، وأنّ كلّ فعل خيرٍ أو توزيعٍ نقوم به تجاه المحتاجين، كأنّه يُقدّمه لله شخصيًّا. العطاء يصير فعل تقديم ذبيحةٍ يُسرّ بها قلب الرّبّ، لا بل يصير برهان على أنّنا تعلّمنا كيف نضع نفوسنا لأجل الآخرين كما وضع هو نفسه لأجلنا.
ختامًا، نحن لا نزيد الله مجدّا بعطايانا، بل نحن مَن يرتفع إلى حضرته حين نردُّ إليه ما نلناه من يده أصلاً. وهكذا يكون الدّافع الحقيقيّ لكلّ ما نقدّمه هو “محبة المسيح الّتي تحصرنا”. وهكذا نعيش ليس بعد لأنفسنا، بل للّذي أحبّنا ومات لأجلنا وقام. فليكن عطاؤنا في الأعياد انعكاسًا لمقدار محبّتنا له، وعربون تقديرٍ وعرفانٍ بالجميل له، حسبما قال داود النّبيّ قديمًا: “لأَنَّ مِنْكَ الْجَمِيعَ وَمِنْ يَدِكَ أَعْطَيْنَاكَ”.

