زياد بارود: رأيٌ في طريق الحقّ
كلمة وزير الداخلية الأسبق المحامي زياد بارود
في مناقشة كتاب “طريق الحقّ: رأيٌ في السيادة والسلطة والعدالة“
بيت الطبيب، بيروت، 4 / 10 / 2025
أعزائي،
في زحمة الطرقات وتعرّج مسالكها، يأتيك النائب الدكتور إدكار طرابلسي ويدعوك إلى سلوك طريقٍ آخر، دونه سائر الطرقات: “طريق الحق “، كأنّي به طريق النحل الرحبانيّ -الفيروزي ، عسلًا، إنما يقابله طريق المِحلِ في أيامنا، عبثًا…
يبادر، مستهلاً، داعيا إلى قراءة “رأيٍ”، مجرّد رأي، على ما عنون كتابه، في السيادة والسلطة والعدالة. بتواضع العالِم وعمق الباحث ومخزون المفكّر، يكتفي برأيٍ ما، للنقاش إذا شئتم، للدحض إذا استطعتم، وهو ما لم نعتده في عالمنا العربي حيث الحقائق المطلقة والآراء المكتفية بذاتها تنهي النقاش قبل أن يبدأ وتنهي معه فرص التطوير والتقدّم.
كل هذا في مجرّد العنوان، وجُلّ الكتاب يقرأ من عنوانه… أما إذا تجاوزتم العنوان وتجرأّتم ، فسلكتم مع الدكتور طرابلسي مشوار طريق الحق، فالرحلة هي الكأس (the journey is the trophy) ، رحلة التفكير التي أرادها المؤلّف “عصارة نقاش” أجراه مع ذاته ومع نتاجات الناس الذين عرفهم في الحياة وفي الكتب. نقاش في اللاهوت السياسي ولاهوت الحكم، نقاش بين الله وقياصرة زمننا ونقاش لا تغيب عنه دروس من بيلاطس والملك سليمان إلى حيث هبطنا ولا نزال.
اللافت في الكتاب-العصارة أنه نتاج عوامل ثلاث ترتبط، وثيقًا، بصاحبه الذي يجمع في شخصه ما يجعله غير نمطيّ تمامًا(atypique) :
- فهو أولًا، لاهوتيّ التكوين في فكره وفي ممارسته، يحمل في مخزونه عمق فلسفة الدين، بل الأديان، وغالبا ما تقرأ بين سطور كتاباته تماهيًا مع “لاهوت التحرير”، هذا التيار الذي طبع أميركا اللاتينية في ستينات وسبعينات القرن الماضي، كردّ فعلٍ على الظلم الاقتصادي والاجتماعي.
- والكاتب هو، ثانيًا، صاحب تجربة سياسية، خاض فيها تحدّي التمثيل الشعبي وخاض فيها مهمّة التشريع، وخَبِرَ فيهما معنى السلطة التي، لا شك عندي، أحبطته حينا وحفّزته على الانتفاض حينًا آخر. عرفته مشرّعا في الحقل التربوي، مثلًا، يرفض الظلم والرتابة ويقترح، مضيئا شمعةً تشريعية حيث ظلمُ القانون.
- والدكتور طرابلسي هو، ثالثًا، صاحب قلم خطّ فيه ما يزيد على 13 كتابا، ما جعله يمسك بملكة الكلمة إمساك المتمكّن، يـُخضعها للتمحيص والبلورة في المبنى، ويطلق عنانها إلى مرامي المعنى. ألا يحمل، هو أيضا، “رسالة الكلمة”، حيث في البدء كانت، على ما علّمنا الإنجيل، وحيث رسالتها من جيلٍ إلى جيل. ..
وعلى ذلك، لا عجب في أن يكون المؤلّف قد ذهب إلى طريق الحق مناقشًا، في “رأيٍ” غنيّ بالآراء المدعومة بغيرها، الموالية والمعارضة، في مفاهيم السيادة والسلطة والعدالة، وكلّ منها إشكالية قائمة بذاتها، وكلّ منها تقترب من الحق بقدر ما تبتعد عنه، بحسب أهواء البشر وممارساتهم. ولأن المؤلف قد أسهب فعلا في البلورة والتدقيق، ولأنني تعلّمت كثيرا مما قرأت، أكتفي، كقارئ، بمشاركتكم ما حرّك فيّ الكتاب من خواطر وما أتاه على عقلي من خلاصات.
أولًا، في مفاهيم السيادة والسلطة والعدالة: يقول الكاتب إن السيادة هي هبة الله للإنسان، ويقول أيضا بمحدودية السلطة، حيث من المفترض ألا يختزل الحاكم، أي حاكم، سلطة الدولة. ممتاز. لكنهم يفعلون! وفي ما هم مرتكبون، يتّكلون على ما يشير إليه الدكتور طرابلسي بنظربة الغباء (the theory of stupidity )، مستعينًا بصاحب النظرية، الفيلسوف الألماني ديتريش بونهوفر الذي يعتقد بأن “الغباء لدى الجماهير والأفراد هو حالة أخلاقية تتجاوز موضوع القدرة الذهنية وتأبى التفكير المنطقي”. ويستطرد الكاتب قائلًا: “أرى اليوم أن هناك قوى شريرة وكبيرة تعمل على إغراق الجماهير بالغباء الشديد في مجتمعنا المعاصر عبر الميديا والسوشال ميديا والأخبار الكاذبة والبروباغندا الهدّامة والشعبوية…”
هذه هي السلطة التي تتسلّط وتصرف النفوذ وتستحيل نقيضًا لمقولة إن الشعب هو مصدر السلطات. الغباء لا ينتج سلطة، بل تسلّطًا، والإمعان في غباء الشعوب هو مقصود لاستمراريّة الفاسدين في السلطة. أما الوعي، فمسار صعب وغالبًا ما الشعب عدوّ ذاته إلا في ما ندر من حالات الانتفاض، بموازاة حالات الإحباط والمغادرة، مغادرة الحيّز العام من قبل من هم الأكفأ والأفضل والأنسب. القوى الشريرة تعرف ذلك تمامًا وهي تدفع إلى المغادرة، مسقطةً قوة العدالة!
وفي ذلك، أستذكر قولا مأثورًا للفيلسوف الفرنسي باسكال:
“La justice est sujette à dispute. La force est très reconnaissable et sans dispute (…) ne pouvant faire que ce qui est juste fût fort, on a fait que ce qui est fort fût juste”.
ما تعريبه: “العدالة محل نزاع. القوة واضحة جدًا ولا جدال فيه (…) وبما أنه لا يمكن أن يكون ما هو عادل قويًا، فقد جعلنا ما هو قوي عادلًا”. ألم ينسب أيضا للقمان الحكيم في أدبيات التراث الإسلامي قوله لابنه: “احكُم الناس العدل، لا بالقانون”؟ يقودني هذا القول إلى الملاحظة الثانية:
ثانيا: في مسألة الحق
يستفيض الكاتب في مقاربة الحق والعدالة في الكنيسة، وبشيء من النقد البنوي البنّاء ، يستعرض محاولات إصلاحية في التاريخ وقدّيسين حاربوا الفساد، مشيًار إلى “الإصلاح المستعصي”، وهو القسيس العارف بتفاصيل الأنظمة والهيكليات والفوارق بين اللاهوتي البحت وبين الزمني المتقاطع. لكن، أليست أزمة الحق في عدم سموّه على القانون؟ في كل مكان وكل زمان؟ وفي عالمنا المعاصر، ألا تتقصّد الأنظمة، أو بعضها، أكانت دنيوية أم روحية، أن تتجنّب الحق فيغدو المتمسكون به أقلية منبوذة؟ يقول إدكار طرابلسي: “نشأت في حداثتي على المبدأ المأثور “أنا والحق أكثرية”، مضيفا: “أنا محظوظ أني ولدت في بيت والدٍ يحب الحقّ ويحفظ القانون ولا يسمح لنفسه بمخالفته”. هذه القيم التربوية، بل الإنسانية، تصطدم بسموّ القانون على الحق أحيانا، حتى أن عبارة “دولة القانون والمؤسسات” إنما هي تعبير غير موفّق وترجمة في غير محلها التعريبي ل Etat de droit لأن الأصح إستخدام مصطلح “دولة الحق”، لأن الحق يعلو فعلا ولا يُعلى عليه، كمفهوم مطلق واضح المعايير، في حين أن القانون يبقى نسبيًّا وهو من صنع أهواء بني البشر. هل نريد فعلًا للمنعوت، أي الدولة، أن تتبع النعت، أي القانون، وألا تستذكرون معي لائحة طويلة من القوانين التي لا تشبه الحق بشيء؟
ثالثا: في موضوع الزواج المدني
باختصار، لم أتفاجأ بتأييد الكاتب المؤلّف الزواج المدني. يأتي التأييد في فصلٍ حادي عشر، سبقه ما يكفي من الفصول ذات الطابع المبدئي الشريف التي تمهّد لموقف شجاع مبني على المبادئ، لا على الشعبوية ولا على الخوف من قول الحق الذي وحده يحرّر. فعلًا، لماذا نريد لغير المؤمن ولغير الملتزم أن يأتي لمراسم زواج لا يرى فيه سرًا من أسرار الكنيسة المقدّسة؟ “ما يحمي وحدة البيوت هو وجود الله فيها ووعي الأزواج وحرصهم على صونها”، كما كتب إدكار طرابلسي. وهذه مناسبة للتذكير بأن حالة الانفصام القانوني التي يعيشها لبنان، بين رفضٍ رسمي لزواج مدني ولو إختياري ، وبين الاعتراف بزواج مدني معقود في الخارج، هذه الحالة يجب وضع حد لها. شكرًا لقسيس مؤمن، ملتزم ومبشّر بكلمة المسيح، يحمل كلمة الحق ويمشي…
في الختام، عودٌ على بدء، عودٌ إلى تمهيد الكتاب، حيث يرجو المؤلف “أن يجد من يقرأ هذا الكتاب شيئًا يشدّه إلى فوق”. هذا الكتاب هو منطاد (mongolfière)، إن شئت ركوب فصوله، رفعك إلى حيث التفكير دعوة إلى الحرية، لا أنماط ممجوجة فيه. من علوه، ترى الأمور بغير عينٍ ضيقة، تنظر، فترى، تسمع، فتُنصِت، ثم يعود بك المنطاد إلى أرضٍ صلبة، تَطَؤُها بغير ما ارتفعتَ عنها لحين. هذه قوّة إدكار طرابلسي: كما الحق، يرفع التفكير ولا يغادر الطريق…

