سيّدة ثلاثينيّة تجلس في مقرّ عملها بين زملائها. يُفترض أن تكون في أوج الاهتمام بمظهرها، غير أنّ القشرة تكسو شعرها غير المصفّف، وملابسها متّسخة، فيما تشيع رائحتها الحادّة إرباكًا واشمئزازًا لدى كلّ من يقترب منها. لا يمكن إنكار انزعاج المحيطين بها. فالرّائحة القويّة تجعل البقاء بالقرب منها أمرًا شاقًّا. يقف الزّملاء في حيرة: هل يصارحونها؟ وكيف؟ وهل سيجرحها كلامهم؟ هذا الإحراج طبيعيّ، لكنّ التّحدّي الحقيقيّ يكمن في التّعامل مع الموقف باحترام. إذ إنّ التّجاهل الكامل لا يحلّ المشكلة، والمواجهة القاسية تزيد الأمر سوءًا. معالجة هذا الواقع تتطلّب قدرةً عاليةً على التّوازن بين الحكمة والمحبّة.

أسباب تتعدّى الإهمال

وراء تراجع العناية بالنّظافة الشّخصيّة تتداخل عوامل نفسيّة وجسديّة واجتماعيّة عديدة. فالاكتئاب يستنزف طاقة المرء ويولد لديه العجز وفقدان الاهتمام بذاته، كما يُربك الاحتراق النفسي قدرة الفرد على تنظيم أبسط المهامّ اليوميّة كـالهندام والتّرتيب. وقد تكون التّغيّرات الهرمونيّة والاضطّرابات الفسيولوجيّة سببًا مباشرًا لتغير إفرازات الجسم. أضف إلى ذلك حالات نفسيّة خاصة كرهاب الاستحمام والاغتسال، إذ يتولّد لدى الفرد خوفٌ مرضيٌّ شديد من التّلامس مع الماء يمنعه تمامًا من النّظافة. ناهيك عن أثر التّنشئة المنزليّة المهملة الّتي لم تكرّس عادات النّظافة منذ الطّفولة، أو الظّروف الاقتصاديّة القاسية كالفقر وغياب المأوى وشحّ المياه الّتي تجعل الحفاظ على العناية اليوميّة أمرًا عسيرًا.

طريق التّعافي والمساندة

تعتمد خطّة التّعامل مع هذه الحالة المعقّدة على هرم متكامل يجمع بين الرّعاية النّفسيّة، والتّدخّل الطّبيّ، والمساندة المجتمعيّة. يبدأ المسار العلاجيّ بالعلاج المعرفيّ السّلوكيّ لإعادة تنظيم الرّوتين اليوميّ ليبدأ النّهار بـالنّظافة والاهتمام بالذّات. ويتكامل هذا الدّعم تحت إشراف طبيبٍ مختصّ يسهم من خلال العلاج الدّوائيّ في تهيئة الفرد لتقبّل التّعافي ومعالجة أي اختلالات نفسيّة أو هرمونيّة مسبّبة. وتكتمل الصّورة ببيئةٍ محيطةٍ توفّر التّشجيع والمساعدة العمليّة، وتؤمّن الموارد الأساسيّة لضمان الشّفاء الشّامل.

ما وراء المظهر

ليس كلّ مظهرٍ مهملٍ دليلًا على اللامبالاة، ولا كلّ رائحة ٍكريهةٍ تعني عدم الاكتراث. فما نراه في الخارج غالبًا ما يكون علامة على معركة ثقيلة تدور في الدّاخل. يذكّرنا يسوع بهذه الحقيقة: “لاَ تَحْكُمُوا حَسَبَ الظَّاهِرِ بَلِ احْكُمُوا حُكْمًا عَادِلًا”.

فهل نملك القدرة، رغم الرّائحة المنفّرة، على رؤية الإنسانيّة المتألّمة في هذا الشّخص ونمدّ له يد العون؟ وقبل أن نحكم، لنسأل: ماذا لو كانت تريد لكنّها لم تعد قادرة؟ قد لا نستطيع تغيير حياة إنسان، لكن بإمكاننا ألّا نزيد ألمه. فكلمةٌ طيّبة، أو محادثةٌ مخلصةٌ تحفظ الكرامة، قد تكون بداية الطّريق لتحسين حاله وإعادة ثقته بنفسه.

Author

شاركها.
Exit mobile version