ترعرع هذا الرجل القديس المولود لعائلة زكريا وإليصابات في برية اليهودية (لو1 : 63، 80) حيث دعاه الله للخدمة (لوقا 3: 2). كان نذيرًا للرب (لوقا 1: 5 وعدد 6: 1-12) وعدّ الطريق لمجيء المسيح (لوقا 1: 17). تقاطرت إليه الجموع لتسمعه واعتمد الكثيرون على يده معترفين بخطاياهم. تميّزت عظاته بالحدّة الشديدة: “الآن وُضِعت الفأس على أصل الشجر” (متى 3: 10؛ لوقا 3: 9). ولم يرَ نفعًا في أن يولد الانسان من عائلة يهوديّة، فالمهم أن يكون الانسان ابنًا لله. واجه قادة الشعب الفاسدين ونعتهم بالأفاعي (لوقا 3: 8). وواجه الملك على خطاياه بشجاعة (متى 14: 3، 4 ومرقس 6: 17، 18 ولوقا 3: 19). ولم يدّعِ، برغم ذلك كله، أنه شيء. بل عرّف عن نفسه بأنّه مُجرّد صوت صارخ في البرية (متى 3: 3). وشهد للمسيح الذي سيأتي من بعده بأنه أعظم منه (يوحنا 3: 25-36 و5: 33).
جاءه المسيح ذات يوم ليعتمد منه (متى 3: 15). فخاف أن يُعمّده، معترفًا بأنّه هو من يحتاج إلى أن يعتمد من المسيح. يومها اعترف المعمدان بتواضع نادر أنّه لا يستحقّ حتّى أن يحلّ سيور حذاء المسيح، فكيف له أن يُعمّده! لكنه فعل عند اصرار المسيح على طاعة الفريضة الإلهيّة. وشهد له بأنّه رافع خطايا العالم (لوقا 3: 21؛ يوحنا 1: 29). وبشهادته هذه شجّع تلاميذه على أن يتركوه ويتبعوا المسيح. ولم يمانع في إرسال تلاميذه خلفه أو في أن يخسر الأتباع، لأنّه لم يبنِ زعامة، بل كان رجلاً أمينًا ومترفّعًا لا يُريد لنفسه شيئا سوى أن يعرف الناس المسيح ويصيروا شعبه المستعد أن يحيا له (أعمال 13: 24-25).
انقسم الناس من حوله بين من اعتبره نبيًا وبين من اعتبره شيطانًا (متى 11: 16-18 ولوقا 3: 15). وخاف منه هيرودس وسجنه (متى 4: 12) ليقطع من بعدها رأسه (متى 14: 3-12). أما هو فكان قديسًا ورجلاً بارًا (مرقس 6: 20). واعتبره يسوع خاتمة الأنبياء (متى 11: 9- 13 ولوقا 16: 16). وقد جاء بروح ايليا (مرقس 9: 13 ومتى 11: 14 ولوقا 1: 17). ونادى ببداية العهد الجديد. وقرّر العيش بتواضع مكتفيًا بأدنى ما يتوفّر له من طعام ولباس (متى 3: 4). وقرّر أنّه ينسحب ويختفي ليبقى الظهور للمسيح وحده (يوحنا 3: 25-31). وعندما قطع هيرودس رأسه شهد له المسيح بأنه نور لامع في العالم (متى 14: 3-12). وشهادة المسيح بالمعمدان هي الأهم. يدوّن الكتاب المقدس أن يوحنا المعمدان كان رجلاً بارًا وقديسًا عظيمًا. فماذا يُقال عنّا نحن؟

