قسمت ولادة السيد المسيح التّاريخَ إلى قسمين، ما قبل الميلاد وما بعده. أمّا قيادته فكانت ثورةً فاصلةً بين مفهومين مختلفين للقيادة ولا ثالث لهما: القيادة التقليديّة الفوقيّة، والقيادة الخادمة الفاعلة والمغيّرة. أمّا هذه الأخيرة فتستمدّ قواعدها من المبادئ الّتي زرعها يسوع في قيادته وتعاليمه. وللدّلالة على ذلك يمكننا أن نرى القيادات الّتي عملت على تطوير شعوبها ومجموعاتها وأَتباعِها لحياةٍ أفضل وهي قياداتٌ جديرة. أمّا القيادات الأخرى فهي سلطويّة فوقيّة إملائيّة، تعمل من أجل مصالحها الشخصيّة وإن وُجِدت الرّؤيا لديها فتكون لمصلحة دائرتها الضيّقة.
فعلى مر ّالعصور توالى الكثير من القادة الّذين اعتُبروا جبابرة في امبراطورياتهم ولكن أيًّا منهم لم تتوفّر في قيادته أيٌّ من القواعد الأخلاقيّة والإنسانيّة السّامية الّتي جسّدها يسوع. أمّا نموذج يسوع فأعطى وجهًا جديدًا للقيادة وكان انقلابًا على الواقع المألوف الّذي اعتاد عليه القادة في مختلف الحقول السـياسـيّة والدّينيّة والاجتماعيّة والعسـكريّة وغيرها. وفيما يلي نستعرض بعض القادة عبر التّاريخ والّذين مع أمجادهم الأرضيّة وفتوحاتهم العسكريّة افتقدوا الى قواعد القيادة النّموذجيّة الّتي جسّدها يسوع وعلّمها.
كان نابليون بونابرت قائدًا مميّزًا في فتوحاته العسكريّة. وقيل أنّه سعى إلى نشر التّسامح الدّينيّ. لكنّ البعض الآخر اتّهمه بطاغية عصره وديكتاتوره. أمّا شارلمان الذي أُطلِقَ عليه لقب أبو أوروبا فقد خاض ثلاثة وخمسين حملة عسكريّة كان نتيجتها الكثير من الدّمار. جنكيز خان مؤسّس الإمبراطوريّة المغوليّة كان قائدًا لأكبر وأضخم امبراطوريّة في التّاريخ لكنّه عُرِف بغزوه الدّمويّ والوحشيّ. وآخرون من الاسكندر المقدونيّ إلى أغسطس قيصر وهنيبعل وقورش وفراعنة مصر وغيرهم، كانوا جزءًا من هذا التّاريخ لكنّهم لم يقدّموا ما يُغيّر الإنسان وينقله إلى حالةٍ أفضل.
وحتّى الفلاسفة وعلماء الاجتماع الّذين توالوا عبر العصور البابليّة والفارسيّة واليونانيّة والرّومانيّة كانت نظرتهم تتمحور حول مركزيّة الذّات والكون. نخلُص إلى أنّ قادة العالم، الّذين يمارسون القيادة التقليديّة بمفهوم التّسلّط والزّعامة والّذين أرادوا أن يكونوا في المركز الأوّل، يحتاجون إلى تعلّم نموذج القيادة الّذي جسّده يسوع وعلّمه في كلماته التّالية: “ما جئتُ لأُخدَمَ بل لأخدِم… ومن أراد أن يكون فيكم عظيمًا فليكن لكم خادمًا. ومن أراد أن يكون فيكم أوّلًا فليكن لكم عبدًا”. جسّد يسوع في كلماته هذه وفي نموذج حياته فكرة “القائد الخادم” الّتي عاشها أمام تلاميذه وأعدائه على حدٍّ سواء. نموذج المسيح هذا لو تبنّاه قادة العالم لتركوا بصمةً مختلفةً في التّاريخ.

