يقودنا يسوع في التّطويبات من الفقر بالرّوح، عبر الحزن على الخطيّة، والجوع والعطش إلى البرّ، ثمّ الرّحمة، إلى أعمق مكانٍ في الإنسان: القلب، ومنه إلى أعظم وعد: معاينة الله. يقول يسوع: “طُوبَى لِلأَنْقِيَاءِ الْقَلْبِ، لأَنَّهُمْ يُعَايِنُونَ اللهَ”. أمّا معاينة الله فهي أسمى غايةٍ للوجود البشريّ.

من طهارة الخارج إلى نقاوة القلب

عاش مستمعو يسوع في زمنٍ اهتمّ فيه المتديّنون بالطّهارة الخارجيّة، والغسلات والطّقوس الّتي تميّز الطّاهر والنّجس. لكنّ يسوع وجّه الأنظار من الخارج إلى الدّاخل، بقوله: “نَقِّ أَوَّلاً دَاخِلَ الْكَأْسِ وَالصَّحْنِ لِكَيْ يَكُونَ خَارِجُهُمَا أَيْضًا نَقِيًّا.” فالنّجاسة الحقيقيّة لا تبدأ من الخارج، بل من الدّاخل. وما ينجّس الإنسان يخرج من قلبه: “مِنَ الْقَلْبِ تَخْرُجُ أَفْكَارٌ شِرِّيرَةٌ: قَتْلٌ، زِنًى، فِسْقٌ، سَرِقَةٌ، شَهَادَةُ زُورٍ، تَجْدِيفٌ”. فالمشكلة ليست أوّلًا فيما يفعله الإنسان، بل في القلب الّذي منه تخرج أفعاله.

والقلب كتابيًّا ليس مجرّد موضع المشاعر، بل مركز الإنسان الباطن: أفكاره وإرادته ودوافعه ورغباته وقراراته. لذلك يقول سليمان: “فَوْقَ كُلِّ تَحَفُّظٍ احْفَظْ قَلْبَكَ، لِأَنَّ مِنْهُ مَخَارِجَ الْحَيَاةِ.”

القلب كخزّان مياه يغذّي قرية. فإذا تلوّث الخزّان، انتقل التّلوّث إلى كلّ بيت. كذلك الإنسان: إذا تلوّث الدّاخل، ظهر أثره في الكلام والسّلوك والعلاقات والقرارات. فحال الدّاخل يظهر في الحياة. لذلك لا يكفي إصلاح الخارج. بل لا بدّ من تطهير الدّاخل.

كيف يصير القلب نقيًّا؟

نقاوة القلب ليست إنجازًا بشريًّا ولا قناعًا دينيًّا، بل ثمرة عمل الله. فالكتاب يقول عن الّذين آمنوا: “إِذْ طَهَّرَ بِالإِيمَانِ قُلُوبَهُمْ”. الله هو الّذي يطهّر، والإيمان طريق قبول هذا العمل، ودم المسيح أساسه حسبما توضّحه كلمة الله: “إِنِ اعْتَرَفْنَا بِخَطَايَانَا فَهُوَ أَمِينٌ وَعَادِلٌ، حَتَّى يَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَيُطَهِّرَنَا مِنْ كُلِّ إِثْمٍ.”

لكنّ نعمة الله لا تلغي مسؤوليّة الإنسان. فقد يبقى القلب منقسمًا بين محبّة العالم ومحبّة المسيح، وبين إرادة الله والرّغبات الشّخصيّة، وتبقى رؤيته للقدير محجوبة. لذلك يقول يعقوب: “اِقْتَرِبُوا إِلَى اللهِ فَيَقْتَرِبَ إِلَيْكُمْ. نَقُّوا أَيْدِيَكُمْ أَيُّهَا الْخُطَاةُ، وَطَهِّرُوا قُلُوبَكُمْ يَا ذَوِي الرَّأْيَيْنِ.” إنّها دعوةٌ إلى تعميق الشّركة مع الله، وتنقية السّلوك، وحسم الولاء. فالنّقاوة ليست تجنّب الخطأ، بل قلب موحّد الاتّجاه نحو الله.

ولكلمة الله دورٌ أساسيّ، تكشف الدّاخل وتصحّح الانحراف. قال يسوع: “أَنْتُمْ أَنْقِيَاءُ لِسَبَبِ الْكَلاَمِ الَّذِي كَلَّمْتُكُمْ بِهِ”. فالقلب النّقيّ ليس قلبًا لم يسقط قط، ولا يدّعي الكمال، بل قلبًا يكره الخطيّة، ويتوب عندما تكشف كلمة الله انحرافه، ويعود إلى الله طالبًا التّطهير. ولهذا صلّى داود بإيمان: “قَلْبًا نَقِيًّا اخْلُقْ فِيَّ يَا اللهُ.”

غاية الوجود: معاينة الله

يمنح يسوع الّذين تنقّى قلبهم أعظم وعد على الإطلاق: “أَنَّهُمْ يُعَايِنُونَ اللهَ”. في التّطويبات وعودٌ متنوّعةٌ للمؤمنين بيسوع: ملكوت السّماوات، والتّعزية، والميراث، والشّبع، والرّحمة. لكن في هذه التّطويبة تبلغ البركة ذروتها. فالإنسان لا ينال عطيّة من الله فحسب، بل يعاين الله نفسه.

قد يكون الإنسان محاطًا بعطايا الله، بدون أن يدرك حضوره أو يميّز عمله. أمّا القلب الّذي ينقّيه الله، فيصبح أكثر صفاءً في علاقته به، وأقدر على إدراك حضوره. فالنّقاوة لا تجعل الله أكثر حضورًا، لكنّها تزيل ما يشوّش علاقة الإنسان به ويحجب عنه وضوح حضوره.

فهل معاينة الله مستقبليّة فقط، أم نستطيع أن نعاينه الآن؟

يبدأ الوعد الآن بالإيمان. فنحن لا نرى الله بعين الجسد، بل نراه في المسيح، الّذي قال: “اَلَّذِي رَآنِي فَقَدْ رَأَى الآبَ”. في المسيح يصبح الله معروفًا لنا، ونختبر حضوره.

لكنّ معاينتنا لله الآن ليست كاملةً هنا. يقول بولس: “فَإِنَّنَا نَنْظُرُ الآنَ فِي مِرْآةٍ، فِي لُغْزٍ، لَكِنْ حِينَئِذٍ وَجْهًا لِوَجْهٍ. الآنَ أَعْرِفُ بَعْضَ الْمَعْرِفَةِ، لَكِنْ حِينَئِذٍ سَأَعْرِفُ كَمَا عُرِفْتُ”. وما نختبره بالإيمان الآن سيبلغ كماله في الأبديّة: “وَهُمْ سَيَنْظُرُونَ وَجْهَهُ”.

هكذا تبلغ المعاينة كمالها، وتتحوّل المعرفة بالإيمان إلى لقاءٍ مع الله. لذلك فإنّ أعظم ما يناله الإنسان ليس عطيّة من الله، بل الله نفسه. فطوبى لأنقياء القلب، لأنّهم يعاينون صاحب العطيّة، الآن بالإيمان، وفي الأبديّة “وجهًا لوجه”. فيا لسعادة هؤلاء الّذين سيرونه كما هو، وجهًا لوجه. ويهتف المرنّم بفرح: “وجهًا لوجه سأراه، وجهًا لوجه في سماه. أشدو بملء النّغمة، مخلّصٌ بالنّعمة”.

Author

شاركها.
Exit mobile version