وقف “كريم” حائرًا أمام شاشة التّسجيل. فالمعدّل يؤهّله لأكثر من خيار، لكنّ القرار لم يكن سهلًا على الإطلاق. أزمة كريم ليست حالةً فرديّة، بل هي صورةٌ تتكرّر مع آلاف الطلّاب بعد المرحلة الثّانويّة.
لم يعد اختيار التّخصّص الجامعيّ خطوةً عابرة، بل قرارًا مصيريًّا يتأثّر بتحوّلاتٍ متسارعةٍ أعادت تعريف المهن. فلم يعد السّؤال: “أين أدرس؟”، بل أصبح: “ماذا أدرس؟ وهل سأمتلك القدرة على مواصلة هذه الرّحلة الدّراسيّة؟ وما الّذي ينتظرني في سوق العمل بعد التّخرّج؟”.
هنا يبدأ التّحدّي الحقيقيّ في تحديد الأولويّات. فالإختيار السّليم لا يعتمد على عاملٍ واحد، بل يقوم على توازنٍ دقيق؛ يبدأ من فهم الذّات وتقييم القدرات ونقاط الضّعف والقوّة، لينطلق منها الطّالب ليتفحّص ميله وشغفه للمادّة ليخوض مضمارها. ويتكامل هذا الفهم مع قراءةٍ ذكيّةٍ لسوق العمل وإدراك الفرص الفعليّة، مدعومًا بإستشارة أصحاب الخبرة واكتشاف المادّة عبر الدّورات التّدريبيّة القصيرة، مما يضمن له القدرة على مواصلة طريقه بدون تردّد أو تراجع. فالاختيار ليس لمجرّد اسم التّخصّص، بل هو لمسار حياة تكمن قيمته في فهمه والإنخراط فيه والمرونة في تعديله.
وأمام هذه الحيرة والخطط البشريّة الكثيرة الّتي تتزاحم في عقل الطّالب عند رسم مستقبله، يبقى التّسليم للتّدبير الإلهيّ هو الملاذّ الحقيقيّ والبوصلة الأضمن، تمامًا كما يوجّهنا النصّ الإلهيّ: “فِي قَلْبِ الإِنْسَانِ أَفْكَارٌ كَثِيرَةٌ، لكِنْ مَشُورَةُ الرَّبِّ هِيَ الَّتِي تَثْبُتُ.” فبالسّعي الذّكيّ والاتّكال على مشورته الثّابتة، يخطو الطّالب خطوته الأولى نحو غده بثقةٍ وأمان.


