قال الربّ يسوع: “طُوبَى لِلْجِيَاعِ وَالْعِطَاشِ إِلَى الْبِرِّ، لأَنَّهُمْ يُشْبَعُونَ” (متى 5: 6). وتأتي هذه الطّوبى امتدادًا لما سبقها، فتنتقل بنا من فقر الرّوح والنّوح والوداعة إلى جوعٍ وعطشٍ عميقين إلى برّ الله. والطّوبى ليست مكافأةً لمن بلغ الكمال، بل إعلانٌ عن بركة من اتّجهت رغبتهم إلى الله. ويضع المسيح أمامهم وعدًا أكيدًا: “لأنّهم يُشبَعون”.
من هم الجياع والعطاش إلى البرّ؟
الجائع لا يكتفي بالتّفكير في الطّعام، والعطشان لا يهدأ حتّى يجد الماء. هكذا الجوع إلى البرّ: شوقٌ عميقٌ لا يرضى بالمظاهر ولا ينخدع برياح العالم الغرّار، بل يطلب نعمةً فائقةً تقوّيه لمواجهة عالمٍ فاسد. فالجائع إلى البرّ، الذي اختبر تبرير الله، يشعر بحاجته الماسّة ليثبت في هذا البرّ الإلهيّ، متسلّحًا به في أيّامٍ متصحّرة أخلاقيًّا ومملوءةٍ بالمفاسد.
فهل عطشت نفسك إلى الله؟ هل تتألّم من خطيّةٍ وتشتاق إلى التّحرّر منها لتصمد في وجه المغريات؟ هذا الجوع ليس علامة ضعف، بل علامة حياةٍ ويقظة. ومن فقد إحساسه بحاجته إلى البرّ، فليسأل نفسه: ماذا حدث لشهيّتي الرّوحيّة وسط اعوجاج العالم وفساده؟
ما هو البرّ؟
حين يتحدّث يسوع عن “البرّ” في هذه التّطويبة، فهو يستخدم كلمةً تشمل الاستقامة، والنّزاهة، والعدالة، والصّلاح. فالبرّ في أصله اللغويّ يمسّ سلوك الإنسان الأخلاقيّ القويم وعيشه في أمانةٍ ووفاءٍ أمام الله والمجتمع. لكنّ النصّ الكتابيّ يتسامى بهذا المفهوم ليفرّقه عن مجرّد الأخلاق السّطحيّة. إنّه يرتبط بقداسة الله ونقاوته المطلقة، ليكون البرّ في جوهره هو التّناغم والانسجام مع طبيعة الله وقداسته، وهو الوضع الّذي يضع الإنسان في حالة القبول الإلهيّ. ولأنّ الإنسان يعجز بجهده الذّاتيّ عن تحقيق هذا الانسجام مع الصّلاح الإلهيّ، ينال البرّ كعطيّةٍ ونعمةٍ تفتتح رحلة تحوّل داخليّ تُصلح الفكر والسّلوك.
لذلك، ليس البرّ مظهراً دينيًّا ولا التزامًا خارجيًّا بالوصايا كالّذي تظاهر به الفرّيسيّون والكتبة وحذّر منه المسيح، بل هو حياةٌ تسعى نحو التّوافق مع مشيئة الله، وقلبٌ يطلب الحقّ والرّحمة في زمنٍ شحّت فيه الإستقامة. ولهذا يربط الكتاب بين طلب البرّ وطلب الله نفسه قائلًا: “اسْمَعُوا لِي أَيُّهَا التَّابِعُونَ الْبِرَّ، الطَّالِبُونَ الرَّبَّ”. كما يوصينا المسيح: “اطْلُبُوا أَوَّلاً مَلَكُوتَ اللهِ وَبِرَّهُ”. إنّه طلبٌ يقع في صدارة أولويّاتنا، ليحمينا من التآكل الأخلاقيّ وفقدان البرّ، فلا يسحبنا التيّار الدّنيويّ بعيدًا عن قداسة الله، بل يَهدي خطواتنا نحو الانسجام التامّ مع الصّلاح الحقيقيّ.
الإشباع الإلهيّ
الشّبع عطيّةٌ إلهيّة. فالوعد ليس أنّ الجياع يُشبِعون أنفسهم، بل “أنّهم يُشبَعون”. يوقظ الرّوح القدس في القلب الجوع إلى البرّ بعد أن يبكت الضّمير على فقدانه، ليُوجّهنا نحو النّبع الإلهيّ لننهل منه. ومتى استجاب القلب، قاده الرّاعي الصّالح في سبل الاستقامة لأجل اسمه، وغمره بفيض الصّلاح الّذي يصبو إليه. لذلك ينادينا: “أَيُّهَا الْعِطَاشُ جَمِيعًا هَلُمُّوا إِلَى الْمِيَاهِ”. اطلب البرّ ونقاء القلب. فمن يُقبل إلى الله عطشانًا لا يرتدّ خائباً، ولن يلتهمه شرّ هذا العالم.
الخلاصة: دعوة إلى الجوع والارتواء
إلى ماذا تُجوّع نفسك اليوم؟ إلى المال؟ النّجاح؟ أم إلى البرّ؟ يستطيع الإنسان أن يحصل على الكثير من بريق هذا العالم ويبقى عطشانًا. حتّى بلعام عرف أنّ نهاية الأبرار تُشتهى فقال: “لِتَمُتْ نَفْسِي مَوْتَ الأَبْرَارِ، وَلْتَكُنْ آخِرَتِي كَآخِرَتِهِمْ”. لكن تمنّي النّهاية الصّالحة وحده لا يكفي. فالجوع الحقيقيّ يدفع الإنسان إلى سلوك طريق البرّ رغم مغريات العالم وعثراته.
ليست الطّوبى لأنّ الإنسان قد استوفى الصّلاح والكمال، بل لأنّ قلبه يطلب المزيد من برّ الله ليستند عليه في جهاده. فلا تعتبر جوعك نقصًا، بل مطلبًا ليزيدك الله قداسة وبرًّا. فاطلب البرّ بقوّة، وتمسّك بوعد المسيح إنّه يُشبعك. طوبى لك إن كنت جائعًا وعطشانًا إليه وسط هذا العالم السّاقط، لأنّ الربّ نفسه يُشبِعك لِتَعْكِسَ صُورَةَ بِرِّهِ.

