يتبع الإنسان المسيح لأسبابٍ كثيرة، وقد تكون دوافعه في البداية مختلطة. فقد يتبعه لأنّه أحبّه، أو لأنّه وجد فيه الخلاص والرّجاء، أو لأنّه يبحث عن معنى لحياته. لكن يبقى سؤالٌ مهمّ: هل نتبع المسيح لأنّه هو المسيح، أم لأنّنا ننتظر منه شيئًا في المقابل؟
فالإنسان بطبيعته يميل إلى منطق المقايضة: ماذا أعطي، وماذا آخذ في المقابل؟ وحتّى في علاقتنا بالله، قد يتسلّل هذا المنطق إلى قلوبنا من دون أن نشعر. وهذا ما تكشفه لنا محادثةٌ قديمةٌ بين بطرس ويسوع.
ماذا نريد في المقابل؟
سأل بطرس يسوع ذات يوم: “هُوَذَا نَحْنُ قَدْ تَرَكْنَا كُلَّ شَيْءٍ وَتَبِعْنَاكَ، فَمَاذَا يَكُونُ لَنَا؟”
يظهر من كلام بطرس أنّه أدرك معنى ترك كلّ شيءٍ وتبع المسيح، لكنّه لم يتحرّر تمامًا من السّؤال البشريّ: ماذا يكون لنا؟ كان بطرس يفكّر في وضع التّلاميذ الّذين لم يكن عندهم غنًى وثراء، ويبدو أنّ سؤاله حمل في داخله انتظارًا لمكافأةٍ مقابل اتّباعه للمسيح.
وهنا تظهر مشكلةٌ كامنةٌ في الطّبيعة البشريّة الّتي تعيش على مبدأ المقايضة، أي ماذا نأخذ مقابل عطائنا. كان ينبغي لبطرس أن يتذكّر أنّ يسوع علّم تلاميذه أن يعطوا بدون أن يتوقّعوا شيئًا في المقابل. وأن يطلبوا أوّلًا ملكوت الله وبرّه، وقد وعدهم قائلًا: “وَهَذِهِ كُلُّهَا تُزَادُ لَكُمْ”.
قد لا يكون الدّافع الماديّ هو الدّافع الوحيد وراء اتّباع بطرس ليسوع، لكنّه كان حاضرًا في سؤاله. وهكذا يكشف السّؤال أحيانًا عن دوافع دفينةٍ في قلوبنا. فنحن قد نتبع المسيح بإخلاص، ومع ذلك قد تكشف طبيعتنا القديمة، من وقت إلى آخر، عن رغبةٍ في أن نعرف ماذا سنحصل عليه في المقابل.
المكافأة ليست كما نظنّ
أمّا جواب يسوع لبطرس فكان مليئًا بالحكمة والمحبّة والاهتمام والرّجاء. لم يوبّخه على سؤاله، لأنّ يسوع يعرف ضعف الإنسان ويتعامل مع البشر برفق. أجابه بأن “وَكُلُّ مَنْ تَرَكَ بُيُوتًا أَوْ إِخْوَةً أَوْ أَخَوَاتٍ أَوْ أَبًا أَوْ أُمًّا أَوِ امْرَأَةً أَوْ أَوْلاَدًا أَوْ حُقُولاً مِنْ أَجْلِ اسْمِي، يَأْخُذُ مِئَةَ ضِعْفٍ وَيَرِثُ الْحَيَاةَ الأَبَدِيَّةَ”.
لم يكن يسوع يتحدّث عن صفقةٍ تجاريّةٍ مع أتباعه، وكأنّ كلّ ما يتركه الإنسان من أجله سيعود إليه مضاعفًا بصورةٍ ماديّة. ولم يعدنا بالصحّة والثّراء، ولم يقل إنّنا مقابل كلّ دولار نعطيه سنحصل على مئة.
إنّما أراد أن يعلن أنّ من يخسر شيئًا بسبب إيمانه به لن يكون خاسرًا في النّهاية. فقد يفقد المؤمن عائلته الأرضيّة بسبب إيمانه، لكنّه يجد في جماعة المؤمنين إخوةً وأخواتٍ وعائلةً روحيّةً واسعة. وقد يخسر شيئًا من أجل المسيح، لكنّه يكتشف أنّ المسيح لا ينسى ما يتركه الإنسان من أجله، بل يفيض عليه بنعمته وعنايته، ويمنحه في الحاضر شركةً مع عائلة الإيمان، وفي المستقبل الحياة الأبديّة.
وهنا يكمن الفرق بين منطق بطرس ومنطق يسوع. بطرس سأل: “فَمَاذَا يَكُونُ لَنَا؟” أمّا المسيح فلا يدعونا إلى اتّباعه بعقليّة الصّفقة، بل بعقليّة المحبّة والثّقة. نحن لا نتبع المسيح لكي نساومه على مكافأة، بل لأنّنا وجدنا فيه ما هو أثمن من كلّ ما يمكن أن نتركه. ومع ذلك، في نعمته وسخائه، لا ينسى المسيح تعب أتباعه ولا ما تركوه من أجله.

