لو سُئلنا اليوم: “من أنت؟” فغالبًا ما نجيب باسمنا، أو عملنا، أو جنسيّتنا، أو عائلتنا، أو بما حقّقناه في الحياة. لكن ماذا لو كان السّؤال أعمق من ذلك؟ ماذا لو كان يتعلّق بجوهر وجودنا: من نحن فعلًا؟
أصبحت قضيّة الهويّة الشّخصيّة في زمننا موضوعًا واسع النّقاش. فبينما يعرّف بعض الأشخاص أنفسهم بطرقٍ مختلفةٍ عن التّعريفات التّقليديّة للهويّة الجسديّة والجنسيّة، يبقى السّؤال الأساسيّ الّذي يتجاوز كلّ هذه النّقاشات: من يملك الحقّ في أن يعرّف الإنسان؟ وهل هويّتنا تُبنى فقط على مشاعرنا أو نظرة الآخرين إلينا؟
عندما نقرأ عن الرّسول بولس، نراه في أكثر من مناسبةٍ يقدّم نفسه ويشرح هويّته. فعندما وقف أمام المجمع اليهوديّ لم يعرّف نفسه فقط بخلفيّته أو علمه أو إنجازاته، بل تحدّث عن علاقته بالله وعن لقائه بالمسيح الّذي غيّر حياته. فقد أدرك أنّ هويّته الأعمق لم تكن فيما يملكه أو يحقّقه، بل في من ينتمي إليه.
نحن جميعًا نستخدم جوانب مختلفةً من حياتنا لتعريف أنفسنا. نذكر تعليمنا، أعمالنا، نجاحاتنا، عائلاتنا، ومكانتنا الاجتماعيّة. وهذه الأمور لها قيمتها، لكنّها لا تجيب وحدها عن السّؤال الأهمّ: ما قيمة الإنسان؟ وما الّذي يمنح حياته معناها؟
الهويّة الحقيقيّة تبدأ من علاقتنا بالخالق
يعلن الكتاب المقدّس أنّ الإنسان أوّلًا هو خليقة الله. لم نوجد صدفة، بل خلقنا الله بقصدٍ ومحبّة، كما يقول داود: “لأَنَّكَ أَنْتَ اقْتَنَيْتَ كُلْيَتَيَّ. نَسَجْتَنِي فِي بَطْنِ أُمِّي.” (مزمور 139). لذلك، فإنّ قيمة الإنسان لا تعتمد على نجاحه أو قدراته أو نظرة الآخرين إليه.
لكنّ رسالة الكتاب المقدّس لا تتوقّف عند الخلق، بل تعلن أيضًا أنّ الإنسان مفديٌّ ومحبوبٌ من الله. فالله لا يترك الإنسان بعيدًا عنه، بل يدعوه إلى علاقة معه، ويمنحه هويّةً جديدة: ابنًا له، ينتمي إليه، وهيكلًا لروحه، وسفيرًا عنه، وخليقةً جديدةً مدعوّةً لأن تعكس محبّته في العالم.
هذه ليست مجرّد عباراتٍ روحيّة، بل هي إعلانٌ عن قيمة الإنسان أمام الله. فالإنسان ليس رقمًا في مجتمع، ولا مجرّد نتيجةٍ لظروفه أو تجاربه، بل هو شخصٌ له كرامةٌ وقصدٌ إلهيّ.
أن نعيش منطلقين من هويّتنا
عندما يعرف الإنسان من هو أمام الله، تتغيّر طريقة نظرته إلى نفسه وإلى الآخرين. فهو لا يعود أسير الخوف أو البحث المستمرّ عن قيمته في عيون النّاس، بل يعيش من موقع القبول والمحبّة.
فالهويّة الصّحيحة تقود إلى حياةٍ صحيحة. من يعرف أنّه لله يسعى إلى حياةٍ ترضيه، ومن يعرف أنّه سفير للمسيح يمثّله بالمحبّة والاحترام، ومن يعرف أنّه عضوٌ في جسد المسيح يبحث عن خدمة الآخرين وبناء الخير.
في النّهاية، السّؤال الأهمّ ليس فقط: “كيف أعرّف نفسي؟” بل “من الّذي يعرّفني؟” فالعالم يتغيّر، والآراء تتبّدل، لكنّ الإنسان يجد هويّته الأعمق عندما يعرف خالقه، ويدرك أنّه مخلوقٌ بمحبّة، وله قيمةٌ وقصدٌ في هذه الحياة.
وعندما يعيش الإنسان وفق هذه الهويّة، تصبح حياته شهادةً جميلةً لجمال الخالق الّذي صنعه، وللمعنى الّذي قصده له منذ البداية.


