يتسابق النّاس لاستكشاف عالم التّكنولوجيا من مختلف أبوابها. فانقسموا بين مَن يهوى التّمتّع بالتّطبيقات الذّكيّة وبين مَن يخترعها. وفي كلتا الحالتين، يظلّ التّقدُّم متجدِّدًا وبجهدٍ كبير تُبذَلُ المحاولات للّحاق به. ومع سهولة استخدام الهواتف الذّكيّة، ترى الكهل والمراهق جالسين على أريكةٍ واحدةٍ يبحران في عالمين مختلفين، غير منتبهين البتّة لوجود الآخر. وأكثر ما يُسَلَّطُ الضَّوء عليه في هذه الأيّام، انشغال الأولاد بهواتفهم. ورُبَّ سائلٍ، ألا يقع الأهل في قبضة هواتفهم أيضًا؟
بلى!
نظير ما حصل مع “إلهام”، وهي أمٌّ وربّةُ منزلٍ وتعمل بدوامٍ جزئيّ كعاملة مكننةٍ عن بُعد. كانت على درايةٍ تامّة بأنّ الألعاب الالكترونيّة تؤثِّر سلبًا على نموّ الأطفال من النّاحية الفكريّة والجسديّة، فحرصت على تخصيص غرفة للّعب تحوي كتبًا وألعابًا تناسب أعمار أولادها، كما طلت جدرانها بألوانٍ زاهية. وكانت كلّ يومٍ تلعب معهم فترةً لا تقلّ عن نصف ساعة. ألِف الأولاد هذه العادة، وأحبّوا اللّعب مع والدتهم. إلى أن استهوت لعبة الكترونيّة “إلهام”. فقد ظهرت أمام شاشتها كإعلانٍ أثناء تصفّحها آخر الأخبار. حينئذٍ قامت بتحفيظها على هاتفها. وسرعان ما استحوذ على فكرها الشّعور الملذّ بالرّبح والمكافآت الفوريّة. فصارت، كلّما سنحت لها الفرصة، تنفرد في مقعدها في زاوية غرفة الجلوس لتمارس هوايتها الجديدة.
وما طال الأمر بها حتّى أهملت مشاركة أولادها اللّعب كما كانت تفعل. لذا بدأ الأولاد يشتكون من غيابها، ثمّ تفاقم التّشكّي ليغدو بكاءً غير مبرَّر. وهكذا أمست الأمّ حادّة الطّباع، حتّى قابلت دموع الأولاد بالصّراخ والتّوبيخ. وحينما تدخّل الزّوج ليعرف ما سبب انقلاب بيته الهادئ، ازداد الوضع سوءًا. بل غابت الرّؤيا الواضحة للمشكلة الأساسيّة، كما علا صوت نايا متسائلةً عمّا إذا كان لا يحقّ لها قضاء وقتٍ بمفردها. بالطّبع هذا سؤال محقّ، إلّا أنّ الواقع كان مغايرًا.
فما أيقنت بأنَّ الهاتف المحمول يبقى في يدها طول النّهار ولا كيف سيطر على ارادتها لدرجةٍ قلّ اهتمامها بأولادها؛ زد على ذلك، لم ترَ ما أدّى إلى نقص مخزون العاطفة لديهم ولا كيف تزعزع شعورهم بالأمان. بل استغربت الحالة المحزنة الّتي حلّت مكان المرح، وتناست أنّ رعاية هؤلاء الصّغار هي وزنةٌ مقدّسةٌ ومسؤوليّةٌ أولى أوصاها بها الكتاب بوضوحٍ قائلًا: “وَإِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يَعْتَنِي بِخَاصَّتِهِ، وَلاَ سِيَّمَا أَهْلِ بَيْتِهِ، فَقَدْ أَنْكَرَ الإِيمَانَ” (1 تيموثاوس 5: 8).
ويا للعجب! كيف تتابعت الأحداث حتى انتهى الأمر إلى إهمالٍ يُعدّ شكلًا من أشكال التعنيف، في وقتٍ نحن أحوج ما نكون فيه إلى اليقظة والحكمة. فحذارِ الاستهتار بنتائج سلوكياتنا اليومية!


