الزّيف يتشبّه بالحقيقة ويتمثّل دائمًا باستنساخ الأصيل لدرجةٍ يصعب فيها التّمييز بين الصّورة الحقيقيّة والصّورة المزيّفة إذ تكمن مهمّته في خداع النّاس.
في البداية، يتمّ تشتيت المرء بتقديم منتجٍ مختومٍ بشبه العلامة التّجاريّة الأصليّة من الخارج، حيث تُجرى تعديلاتٌ قادرةٌ على غشّ حواس الإنسان، فلا يتمكّن المستهلك من اكتشاف الغشّ.
لقد شاعت حياة الزّيف على منصّات التّواصل الاجتماعيّ مشابهة ظلّ الحياة الحقيقيّة والواقعيّة. بمعنى آخر، فقد أصبح بإمكان أيّ إنسان انتحال شخصيّة معيّنة من عالم المشاهير مغايرة لواقعه الحقيقيّ. وبفضل سهولة استخدام الذّكاء الاصطناعي، ووفرة التّطبيقات أصبح الآن متاحًا لأيٍّ كان تجميل صورته، حيث يتمّ تصميم صورٍ محسّنةٍ للشّكل، فيبدو صاحب الحساب جميل المنظر، ممشوق القامة، مع حلاوة العينين ودقّة الأنف. وبالتّالي، لن يضطرّ الانسان للخضوع لأيٍّ من عمليّات التّجميل الشّائعة، فيتحاشى مخاطرها وأوجاعها. ولكن، مهما تشابهت الصّور، فهل تتطابق الشّخصيّات؟
ولا يسعني إلّا أن أتذكّر ما حصل مع مؤثّرة على إحدى وسائل التّواصل الاجتماعيّ، حيث خضعت لعدّة عمليّات تجميل لتشبه إحدى النّجمات التّلفزيونيّة فعرّضت نفسها لخطر الموت.
أمّا من جهة سيلين، فقد اكتفت بتحويل صورها عبر تطبيقٍ خاصّ في هاتفها، لكي تبدو أكثر جمالًا، وراحت تنشرها عبر Instagram فأوقعت زميلتها رينا في الخدعة، الّتي ظنّـت بأنّ صديقتها قد قامت بتجربة وسائل تجميليّة ساعدتها لتحسين مظهرها. أمّا عند عودتهما إلى المدرسة، مع انطلاق العام الدّراسيّ الجديد، فقد كانت المفاجأة حيث لم تشبه سيلين صورها أبدًا. فبعيدًا عن شاشات الهواتف وتطبيقاته، زال القناع الالكترونيّ.
من ناحيةٍ أخرى، يمكن للمرء النّجاح بإخفاء جانب من حياته بالثّرثرة. فحينما يتواجد في مجتمعه لا يكفّ عن التّحدّث فيسرد الأخبار بدون توقّف. فهو يستعمل هذا الأسلوب لكي يلهي النّاس بتوجيه
أنظارهم عنه نحو أخطاء غيره. وبالتّالي، يستمرّ بالتّستّر. هذا الأسلوب اشتهر به داني صاحب المشاريع الزّراعيّة الفاشلة، الّذي ما انفكّ يروي قصص جاره ناجي الفاشل، كما كان يدعوه. ولكن الحقيقة تعاكس أقواله تمامًا. فعندما يحين جمع المحصول، تفوق كميّة ما جناه ناجي أضعاف ما جمعه داني.
من هذا القبيل، يشبه الزّوان القمح في الشّكل إلى حدٍّ كبيرٍ. ولا يمكن التّفرقة بينهما قبل مرحلة النّضج الكامل. لذلك أُطلِق على نبات الزّوان لقب القمح المزيّف. فبقدر ما تحتوي حبّات القمح من فوائد غذائيّة هكذا تخلو شبيهتها من أيّ منافع بل تعتبر عشبة ضارّة. ولا يزرعها أحد في أرضه بل يمكن أن تُزرع عن طريق الخطأ أو الخبث بين حبّات القمح، كما حصل في المثل الّذي قدّمه الرّب يسوع حيث أتى العدوّ ليلًا وزرع زوانًا بين حبّات الحنطة في الحقل. وحين سأله عبيده عن كيفيّة ما حصل، أجابهم: “إِنْسَانٌ عَدُوٌّ فَعَلَ هذَا.”
فالخداع مهما طال زمانه لا بدّ أن يكشفه الواقع. والزّيف يستحيل تغييره إلى حقيقة. أمّا بعد فضح المزيّف، فهل سيجد مكانًا له في المجتمع؟

