أكثر ما يلفتني على منصّات الحوار والمناظرات الفكريّة، هو تحوّل أحد المتناظرين إلى مستهزئ أو مُتنمّر في الوقت الّذي يكون فيه المشاهد ينتظر الحجّة والحقيقة أو تعلّم شيءٍ جديدٍ من محاور يظنّه محترمًا. يُحوّل هؤلاء المستهزئون مشهدهم إلى “مجلس المستهزئين” الّذي حذّر منه المزمور الأوّل.
ويتساءل المرء، لماذا يستلّ أحدهم سيف التنمّر أو الإستهزاء بالوقت الّذي تتوقّع منه أن يبقى رصينًا ولائقًا؟ وهذا يقودني لطرح السّؤال التّالي الأساسيّ: ومن هو المستهزئ؟ إنّه إنسان يدّعي الفهم بينما هو في الواقع جاهلٌ ومُتعجرفٌ ومتكبّرٌ لا يُقدّر مكانة من يتحدّث معه. وهو بكلّ تأكيد يُعاني من عقد النّقص وحُبّ الظّهور. هو إنسانٌ لا يهدف إلى الوصول إلى الحقيقة، بل يهمّه كسر خصمه، لينتصر عليه أو ليتخلّص منه عبر تعييره أو التّهكّم عليه أو تجريحه. هذا سلوكٌ عاجزٌ يُخفي نفسه خلف لباس القوّة، وستار ينسجه المفلس فكريًّا حين تعوزه الحجّة وتخذله الأخلاق.
ويبلغ القبح ذروته حين يتسلّل الاستهزاء إلى الحوارات السّياسيّة والدّينيّة، الّتي يُفترَض أن تكون أرقى حوارات العقل البشريّ وأكثرها سموًّا. فأن نرى سياسيًّا أو إعلاميًّا أو مُفكّرًا أو عالمًا للدّين يتسلّح بتلك الابتسامة السّاخرة الّتي تحمل في طيّاتها الازدراء والتّعالي لهوَ مشهدٌ يعكس تناقضًا وجوديًّا مخيفًا. فموضوعات السّياسة والفلسفة واللاهوت، جوهرها البحث عن “الحقّ والكلمة ومعنى الحياة”، إلّا أنّها تُنحَر على لسان ذاك المستهزئ الّذي يعجز عن احترام الآخر المختلف عنه.
إنّ لجوء النّاس إلى السّخرية في الحوارات الجديّة اعتُبِرَ فنًّا لدى بعضهم، واُعتبِرَ أداة جذب للسّامعين. أمّا أنا فلا أجد فيه سوى خساسةٍ وحقارةٍ تُظهِر تعجرفًا وخِواءً أخلاقيًّا مغلّفًا بكبرياء معرفيّ. فالمستهزئ يُنصِّب نفسه ديّانًا غير مُدرِكٍ للحكمة الإلهيّة القائلة: “المُحتقِر صاحِبَهُ هو ناقص الفهم”. بكلمات أخرى إنّ المُستهزئ المُدّعي لامتلاك المعرفة المُطلقة ليس بمتواضعٍ عليمٍ بل هو مُستكبِرٌ جاهل.
إنّ سرّ قوّة الإقناع الحقيقيّة يظهر في إدراك المُحاور أنّه إذا فقد وقاره واحترامه لمحاوره، لم يبقَ من كلامه إلّا رنين نحاسٍ فارغٍ أو طنين صنجٍ ممجوج. ويبقى الاستهزاء دومًا وسيلة الضّعيف الّذي يظنّ واهمًا أنّ قيمته تعلو إذا خفّض من شأن غيره، بينما الحقيقة هي أنّ العظمة الحقيقيّة تبدأ حيث ينتهي الكبرياء ويبدأ التّواضع.

