صعودُ الكذب في الأيّام الأخيرة وحتميّة انتصار الحقّ
صار الكذب سِمة عصرنا. لم يعد مُجرّد خطيئةٍ عابرة. العالم كلّه يعيش على الكذب. والنّاس يعشقون الكذب. كنت فتًى عندما سمعت أوّل مرّة أنّ الناس يُحبّون من يكذب عليهم أكثر ممَّن يصدق معهم وتعجّبت كثيرًا لذلك! هذه حقيقة النّاس منذ قديم الأيّام كما يبدو. وصَف داود وكيل الملك شاول، وهو دوّاغ الأدومي، الّذي كان واشيًا وكاذبًا وقاتلاً، فقال له أو عنه: “أَحْبَبْتَ الشَّرَّ أَكْثَرَ مِنَ الْخَيْرِ، الْكَذِبَ أَكْثَرَ مِنَ التَّكَلُّمِ بِالصِّدْقِ” (مزمور 52: 3).
كم ينطبق هذا الوصف على الكثيرين في أيّامنا، إذ يكثر الوشاة والكذّابون والمُضلِّلون والمفترون من مُعلّمين كذَبةٍ وإعلاميّين وسياسيّين وحُكّامٍ ورجال دين الّذين يخلطون الزّيف بالحقّ لمآربهم حتّى يكاد يُمحى معالمه! ومن جهةٍ أخرى، إنّ ظاهرة تصديق الكذب والانسياق وراء الأنبياء الكذبة تكثر بين النّاس ويقُلُّ عدد الّذين يُحبّون الحقّ والحقيقة ويبحثون عنهما ويتمسّكون بهما! لماذا يُحبّ النّاس الضّلال، لماذا يزداد عدد المأخوذين به في أيّامنا؟ ألعلّها علامةٌ من علامات الأزمنة الّتي حذّر منها السيّد المسيح ورسله والأنبياء والرّسل القدّيسون؟
ما زلت أبحث عن أسباب تفضيل النّاس للأكاذيب على الحقّ الجليّ؟ قد يكون أنّ الحقّ “مُكلِف” بالنّسبة إلى بعضهم والكذب “مربحٌ” لهم. وكما يقول القدّيس يوحنّا الذّهبي ّالفمّ في شرحه لرسالة تسالونيكي الثّانية، “إن الضلال يجد مكانًا في من لا يُحبّون الحقّ لأنّهم يجدون فيه راحةً لشهواتهم”. أمّا عالم الاجتماع غوستاف لوبون، قال في كتابه “سيكولوجية الجماهير” أنّ “الجماهير لا تظمأ أبدًا للحقيقة… بل تُقدّس الأوهام إذا كانت ترضي غرورها”.
يعيش عالمنا اليوم في ظلال كذّابين محترفين من قادة العالم الكبار. حالهم حال تحالف الوحش والنّبيّ الكذّاب في سفر الرّؤيا (الإصحاح 13). حيث قادة الدّول لا يتردّدون في استخدام الكذب كأداةٍ استراتيجيّةٍ لعملهم ويوافقهم عليه ويُصدّق لهم إعلاميّون ومؤثّرون ورجال دين يُسهّلون غسل دماغ النّاس الّذين يُصدّقونهم. وهكذا ينساقون بدون أيّ مراجعة لما يسمعونه مع الحقيقة والقِيَم وأحكام الضّمير الصّالح. هؤلاء لا يعرفون أنّ خلف كذب الكبار مصالح شخصيّةً ومصالح دول وشركات نفطٍ وتصنيع أسلحةٍ يحيكون المؤامرات لتعزيز السّيطرة على ثروات العالم.
إلى أيّ حال وصلنا اليوم؟ يجتاح العالم “تسونامي” التّضليل. إنّها “أزمنٌة صعبةٌ” كما قال بولس الرّسول حيث أنّ “النَّاسَ الأَشْرَارَ الْمُزَوِّرِينَ سَيَتَقَدَّمُونَ إِلَى أَرْدَأَ، مُضِلِّينَ وَمُضَلِّينَ.” إن كثرة الكذب والتضليل اليوم تُمهّد لظهور “الأثيم” الّذي سيأتي “بِكُلِّ خَدِيعَةِ الإِثْمِ” لضرب المجتمعات البشريّة “وكلّ من لم يقبلوا محبّة الحقّ”.
لقد أصاب العالم في التّاريخ موجاتٌ من “جرثومة التّراخوما” الّتي أعمت النّاس. ومثالٌ على ذلك، عندما أُصيب عددٌ كبيرٌ من جنود نابوليون بالرّمد المصريّ وعادوا إلى بلادهم فاقدي البصر وحاملين للعدوى. وهكذا أيضًا نقل جنود ابراهيم باشا العدوى إلى مدن سواحل فلسطين ولبنان وسوريا فتسببّوا بالعمى الدّائم لكثيرين.
يكثر اليوم العمى الرّوحيّ وفقدان البوصلة الأخلاقيّة حتّى بين المتديّنين الّذين يعجزون عن التّمييز بين الحقّ والباطل وبين الظّلم والعدل. ومعظم النّاس فقدوا حريّة التّفكير واتّخاذ القرار الحرّ والقدرة على الوقوف إلى جانب الحقّ. فهل يا تُرى وصلنا إلى الزّمن الّذي سيخاف النّاس فيه الوقوف إلى جانب الحقّ حتّى ولو عَرَفوه خوفًا من انتقام “الوحش”؟ أين النّاس من شعار المسيح: “تعرفون الحقّ والحقّ يُحرّركم؟”
صحيحٌ أنّ هذه الأيّام صعبةٌ جدًّا. لكن لن يستمرّ ليل الكذب هذا إلى الأبد. نعرف أنّ المسيح، اّلذي هو “الحقّ المطلق”، سيضع حدًّا لمنظومة التّضليل بمجيئه الثّاني. ساعتئذٍ سيبيد “الأثيم” بنفخة فمه. وسيُعرّى “الوحش” و”النّبيّ الكذّاب” ويُطرحان مع كلّ من يُحبّ الكذب ويفعله في بحيرة النّار الأبديّة. نعم سينتهي عصر الكذب والتّشويش والتّضليل، وطوبى لمن يستطيع الإعتصام بالحقّ حتّى النهاية.

