كلُّ يوم، وبهدوءٍ مُوجِعٍ لا يلفتُ الانتباه، نخسر شابًّا أو فتاةً كان يمكن أن يبقيا معنا… لو وصلتْهما كلمةٌ في الوقت المناسب، أو لفتةُ حنان، أو يدٌ امتدّت، أو حتى ابتسامةٌ صادقة. وبينما ينكسر قلبُ الأهل، نقرأ الخبر، نشعر بثِقَلٍ عابرٍ في صدورنا، ثم نكمل يومنا كأنّ شيئًا لم يحدث.
يشهد لبنان ارتفاعًا مقلقًا في معدّلات الانتحار؛ إذ سُجِّلت في عام 2024 نحو 128 حالة و79 محاولة، وفي عام 2025 بلغ العدد 108 حالات و69 محاولة.
إنّ انتحارَ الشّباب ليس مجرّد حدثٍ عابر، بل نهايةٌ مؤلمةٌ لمسارٍ طويلٍ من الصّمت والمعاناة. هو صرخةٌ خفيّة واحتجاجٌ داخليّ على ألمٍ لم يُحتمل، وعلى شعورٍ بالضّياع بين الذّات والعالم، حيث قد يشعر الشّابّ بأنّه غير مرئيّ أو وحيدٌ في معركته.
بين وجع الدّاخل وضغوط الخارج
غالبًا ما تبدأ المعركة من الدّاخل، حيث تتحوّل النّفس إلى ساحة صراع، يلعب فيها الاكتئاب والقلق دورًا في تضييق الأفق، حتّى يبدو الموت أحيانًا مخرجًا من وجعٍ لا يُطاق. ومع اندفاع هذه المرحلة العمرّية وغياب أدوات التّحمّل، قد يتحوّل اليأس من شعورٍ عابر إلى قرارٍ نهائيّ.
ولا يقلّ الخارج قسوة؛ فالعزلة وغياب الدّعم الأسريّ والمحيط قد يعمّقان الإحساس بالغربة. كما تُسهم وسائل التّواصل الاجتماعيّ بما تحمله من مقارنات وضغوط وصور مثاليّة زائفة في تعزيز الشّعور بالنّقص أو الفشل. ويضاف إلى ذلك ثقل التّوقّعات المجتمعيّة والإخفاقات الدّراسيّة والعاطفيّة والمهنيّة، ما قد يجعل الشّاب محاصرًا بلا أفق وفاقدًا لأيّ أمل.
حين يُصبح الإصغاء وسيلة للإنقاذ
لكنّ الوقاية تبقى ممكنة، وتبدأ بالإنصات والحضور بدون أحكام. نشر الوعي بالصحّة النّفسيّة وتسهيل طلب المساعدة خطوات أساسيّة كي لا يشعر الشّاب بالوحدة. كما للأُسرة والمؤسّسات التّربويّة دورٌ محوريّ في توفير مساحة آمنة للحوار والاكتشاف المبكر والدّعم، إضافةً إلى تعليم مهارات التّكيّف مع الضّغوط لتجاوز الأزمات بدل الانكسار أمامها.
إنهّا مسؤوليّة مشتركة لتحويل الصّرخة الصامتة إلى صوتٍ مسموع، وزرع الأمل حيث كاد ينطفئ، وإقناع كلّ شابّ متعب بأنّ ما يمرّ به، مهما كان مظلمًا، ليس نهاية الطّريق.
الرّجاء وسط الألم
في الخلاصة، يبقى الإيمان بأنّ النّفس البشريّة ثمينةٌ جدًّا لتُترك فريسة لليأس. وكما جاء في الكتاب المقدّس: “قريب هو الربُّ من المنكسري القلوب، ويخلّص المنسحقي الرّوح”. لعلّ دورنا، في مثل هذا الألم، أن نقف إلى جانب العائلة المفجوعة، وأن نكون اليد الّتي تسندهم، والحضور الّذي لا يتركهم وحدهم في وجعهم. فهم يحتاجون إلى مساحةٍ صامتةٍ تُحترم فيها دموعهم، لا إلى أسئلةٍ تُثقلهم أو عتابٍ يُرهق ما تبقّى من قلوبهم، بل إلى حضورٍ خفيفٍ يرافقهم بهدوء، ويخفّف عنهم شيئًا من ثقل الألم من دون أن يزيده.

