“قالوا عنه كلامًا جميلًا.” كان هذا تعليق أحد أقاربي بعد خدمة جنازة ابن خالتي، الّتي لم أتمكّن من حضورها بسبب وجودي في بلاد الاغتراب. ومن الطّبيعيّ أن يشعر الإنسان بالرّضا عندما يسمع الآخرين يرون في حياة شخصٍ عزيزٍ عليه ما كان يراه هو أيضًا: حياة تستحقّ أن تُذكر بالخير.
كيف نلخّص حياتنا؟
نحن جميعًا نواجه سؤالين عميقين في مسيرة حياتنا. يظهر الأوّل مبكّرًا: ماذا سأفعل عندما أكبر؟ أمّا الثّاني فيأتي مع مرور السّنوات: ماذا أنجزت في حياتي؟
وهذان السّؤالان هما في جوهرهما بحثٌ شخصيٌّ عن الغاية والمعنى: لماذا أعيش؟ وما الّذي أريد أن أتركه ورائي؟
ويعود السّؤال الثّاني إلى الواجهة عند محطّاتٍ مختلفةٍ من حياتنا: عند التّخرّج، والتّحوّلات في العمل، والتّجارب الّتي تغيّر مسار حياتنا، كالأزمات الصّحيّة الّتي توقظنا فجأةً وتدعونا إلى التّوقّف والتّأمّل وإعادة النّظر في مسيرتنا.
ولعلّ أجمل ما في الأمر أنّ حياتنا يمكن أن تُختصر بين تاريخين: تاريخ ولادتنا وتاريخ رحيلنا. قد تبدو المسافة بينهما مجرّد أرقامٍ على الورق، لكنّها تختزن قصّة حياتنا كلّها. ففي هذه السّنوات نحبّ، ونتعلّم، ونعمل، وننجح، ونفشل، ونخدم، ونترك أثرًا في حياة الآخرين.
نرى هذه الفكرة في السّيَر الذّاتيّة، حيث تُسجَّل السّنوات والمحطّات والإنجازات الّتي صنعت مسيرة الإنسان، وفي النّصب التّذكاريّة وشواهد القبور الّتي تحمل تاريخ الميلاد وتاريخ الوفاة. لكن، ما يهمّ حقًا، ليس التّاريخان، بل ما الّذي حدث بينهما.
فكلّ واحدٍ منّا سيترك وراءه أكثر من تاريخين: قصّة، وذكريات، وعلاقات، وأعمالًا، وربما أثرًا يستمرّ في حياة الآخرين.
ما هو إرثنا؟
يعكس إرثنا، بوعيٍ منّا أو من دونه، ما نصنعه خلال حياتنا وما نتركه وراءنا للآخرين. وقد نراه في الإنجازات والنّجاحات، وفي العلامات الملموسة للجهد، كالشّركات والمباني، أو في الخبرات الّتي عشناها، كالبلدان والأماكن الّتي زرناها والذّكريات الّتي صنعناها.
لكنّ إرثنا أعمق من ذلك. إنّه يعكس قيمنا وأفعالنا، وطريقة تعاملنا مع أنفسنا، وعلاقاتنا بالآخرين، وخدمتنا لعائلاتنا ومجتمعاتنا. كما يظهر في الفرص والمسارات الّتي نفتحها أمام الآخرين.
ونحن نترك قصصنا وتقاليدنا وإيماننا من خلال أحاديثنا وقراراتنا وأعمالنا، فتستمرّ آثارها بعد حياتنا.
كيف نحدّد إرثنا؟
نحن نعيش يومًا بعد يوم، وخطوةً بعد خطوة، ونتطلّع إلى أن تكون السّنوات بين ولادتنا ورحيلنا ذات أثرٍ في عائلاتنا والعالم من حولنا. وفي هذا السّياق، تكتسب كلمات سليمان الحكيم معنًى عميقًا: “اَلصِّيتُ خَيْرٌ مِنَ الدُّهْنِ الطَّيِّبِ، وَيَوْمُ الْمَمَاتِ خَيْرٌ مِنْ يَوْمِ الْوِلاَدَةِ”. فالصّيت الحسن الّذي يبقى بعد رحيل الإنسان هو جزءٌ من الإرث الّذي يتركه وراءه.
لذلك، فإنّ اختيار أولويّاتنا في ضوء إيماننا، ومواءمة أهدافنا مع كلمة الله الحيّة، يعكسان المنبع السّماويّ لأنفاسنا وطاقتنا، ويشكّلان الأساس الّذي نبني عليه حياتنا وإرثنا.
فإرثنا لا يُقاس فقط بما امتلكناه أو حقّقناه لأنفسنا، بل بما أضفناه إلى حياة الآخرين، وبالقيم الّتي جسّدناها، والإيمان الّذي نقلناه، والمحبّة والخدمة اللتين تركناهما في القلوب، وبالخير الّذي يستمرّ أثره بعد أن نمضي. وتبقى آثاره شاهدًا حيًّا بعدنا.

